
“حين تتحدث الآيات إلى القلب”
القرآن ليس كتابًا يُقرأ، بل حياةٌ تُستعاد.
كل آية فيه ليست جملة من الحروف، بل نَفَس من رحمة الله يُلامس روحك.
وحين يغيب تعظيم القرآن عن القلب، يُصبح التلاوة عادة، والسماع مؤانسة، والحفظ زينة بلا أثر.
أما حين يُعظِّمه القلب، يتحوّل كل حرفٍ إلى نور، وكل أمرٍ إلى نجاة، وكل قصةٍ إلى مرآةٍ نرى فيها أنفسنا.
قال ابن مسعود رضي الله عنه:
“ينبغي لقارئ القرآن أن يُعرَف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون.”
هذا هو أثر التعظيم؛ لا يُرى في المظهر فحسب، بل في الهيبة التي تكسو القلب حين يُتلى كلام الله.
🔹 قصة تهزّ القلوب:
دخل أحد التابعين على الإمام عمر بن عبدالعزيز — وكان حينها خليفة — فوجد المصحف أمامه، فبكى عمر حتى بلّل دمعه الصفحات.
قال الرجل: “يا أمير المؤمنين، ما يبكيك؟”
قال: “يا هذا، وجدتُ في كتاب الله وعدًا ووعيدًا، فوالله ما أدري أنا من أي الفريقين.”
ذلك هو التعظيم… أن لا تمرّ على آيةٍ كأنها لا تعنيك، بل تشعر أن الخطاب نازلٌ إليك أنت، وأنك تقف بين يدي الله يسمعك ويُخاطبك.
إن تعظيم القرآن يعني أن لا تُقدِّم عليه كلامًا، ولا رأيًا، ولا عادة.
أن يكون مرجعك الأول، لا خيارك الأخير.
أن تقرأه بقلب العبد، لا بعين القارئ الباحث عن البركة فقط.
فما أكثر من قرأوا الحروف، وما أقلّ من فهموا الرسالة.
قال الإمام مالك رحمه الله:
“إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم.”
وكذلك القرآن… هو الدين كلّه، فمن عظَّمه، عظَّم أمر الله، ومن جعله خلف ظهره، أظلمت طريقه وإن ظنّ أنه يسير إلى النور.
🔸 تأمل:
حين تُصيبك الحيرة، افتح المصحف، ولا تبحث عن الآية في الورق، بل في قلبك.
فالله لا يُكلِّمك من صفحاتٍ جامدة، بل من خلال كلماتٍ تحمل سرّ الهداية.
وكم من آيةٍ قرأناها ألف مرة، ثم نُصيبها ذات يومٍ فتُصيبنا في موضع الألم، وكأنها نزلت لتُداويه وحدها.
ذلك هو التعظيم الحقيقي… أن تشعر أن الله يُخاطبك.
🔹 ومضة من التاريخ:
حين نزلت سورة {إذا زلزلت الأرض زلزالها} بكى شيخٌ في المدينة حتى غُشي عليه، فقيل له: “ما بك؟ إنها سورة قصيرة!”
قال: “قصيرةٌ في اللفظ، طويلةٌ في الحساب.”
لقد رأى في كلماتها القيامة لا الحروف، فامتلأ قلبه هيبةً من جلال الله وعدله.
🔸 الخاتمة:
ما الذي جعل القلوب في الصدر قاسية؟
أننا نقرأ القرآن كأننا فوقه لا بين يديه.
أننا نسمع الآيات، لكننا لا نسمح لها أن تدخل إلى دواخلنا.
إنها ليست مشكلة فهمٍ، بل مشكلة تعظيم.
سؤال المقال:
هل تقرأ القرآن لتسمع صوتك… أم لتسمع صوت الله في قلبك؟