
فرحٌ على ضلال
(الفرح بالجماعة دون المسلمين)
في زمنٍ كثرت فيه الشعارات وقلَّت البصائر، صار الناس يفرحون لا بانتصار الحق، بل بانتصار من يشبههم، أو من ينتمي إلى فصيلهم، أو من يحمل رايتهم، وإن خالفت رايته راية الله.
هو فرحٌ أعمى، لا يبصر سوى حدود الجماعة، ولا يعرف من الولاء إلا ألوان الرايات، ولا من الحب إلا من كان في صفّه، ولو كان على باطلٍ بيّن.
الفرح المريض هذا ليس فرحًا بنور، بل انحيازٌ عاطفي يقتل روح الإيمان، لأن المؤمن لا يفرح إلا بما يرضي الله، ولا يحزن إلا لما يغضبه.
فإذا صار الفرح تابعًا للانتماء لا للحق، ضاع معيار العدل، وتحوّل الدين إلى قبيلة، والأخوة إلى شعارٍ بلا روح.
قال الله تعالى:
{إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ}.
تأمل هذه الآية؛ فكل سببٍ لم يُبنَ على طاعة الله سينقطع، وكل جماعةٍ لا يجمعها حب الحق سيتفرق شملها يوم الحساب.
لقد عُرفت الأمم التي قبلنا بهذا الداء؛ حين جعلت من نفسها “شعب الله المختار”، فاختلط الدين بالتعصّب، والإيمان بالأنانية.
وحين جاءت هذه الأمة، أراد الله لها أن تكون “أمةً واحدةً”، لا جماعات متفرّقة، لا تُعرّف الناس بالانتماء، بل تُعرّفهم بالعمل الصالح والتقوى.
لكننا اليوم، يا صاحبي، نرى المسلم يفرح لانتصار من يوافقه فكرًا أو طائفة، ولو كان خصمه أخاه في الدين. يفرح لأن فريقه غلب، لا لأن الحقّ ظهر، ويحزن لأن خصمه سقط، لا لأن الظلم زال.
إن هذا الفرح المسموم يبدّل وجه الأمة. يجعلها فرَقًا متناحرة، كلٌّ منها تظن أنها الفرقة الناجية، وتنسى أن النجاة ليست في الأسماء، بل في الصدق والإخلاص.
وقد قال الله تعالى:
{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ}.
فالفرح بالاختلاف ليس ذكاءً ولا انتصارًا، بل إعلانٌ عن موت القلب وانطفاء البصيرة.
يُحكى أن أحد العلماء في زمن الفتن رأى الناس يتقاتلون على راياتٍ شتى، فقال:
“ما وجدتُ رايةً حقّة إلا التي كُتب عليها لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، وما وجدتُ فرحًا صادقًا إلا حين ينتصر الدين لا الحزب.”
تلك الكلمات تختصر المأساة التي نعيشها: فرحٌ كثير، وحقٌّ قليل.
حين تفرح لفوز جماعتك، تذكّر أن الله لا يُسأل عمّن غلب، بل عمّن صدق. فربّ مغلوبٍ عند الله غالب، وربّ منتصرٍ في الأرض مهزومٍ في السماء.
ليس النصر أن تنتصر كلمتك، بل أن تنتصر الحقيقة على نفسك.
لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يختلفون، لكنهم ما جعلوا خلافهم سببًا للشماتة ولا للفرح بضعف إخوانهم. كان عليٌّ رضي الله عنه يقول: “إنهم إخواننا بغَوا علينا.”
كلمة لو قيلت اليوم لخفّف الله بها دماءً كثيرة، وأطفأ نارًا امتدّت في قلوبٍ كثيرة.
الفرح بالجماعة دون المسلمين يجعل الولاء مؤقتًا، والحبّ مشروطًا، والنصرة عمياء. أما المؤمن الصادق فيحبّ لأخيه ما يحب لنفسه، ولو خالفه في الفكر أو المذهب، لأنه يرى في كل مسلمٍ صورةً من نفسه، وقطعةً من جسده الكبير.
قال ﷺ:
«مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى».
فهل يفرح الجسد حين يتألم عضوٌ فيه؟ هل يبتسم القلب حين يئنّ طرفه؟ كذلك الأمة، لا تكون حيّة إلا إذا توجّع بعضها لبعض، لا إذا صفّق بعضها على جراح بعض.
في زمن الانقسام، يصبح الحياد شجاعة، والتجرّد من الهوى عبادة. أن تفرح بالحق لا بالراية، أن تبتسم حين يُرفع الظلم ولو كان عن خصمك، وأن تحزن حين يُهان العدل ولو كان على يد قريبك — تلك هي علامة الإيمان الناضج.
يا صاحبي، إن الفرح الأعمى بالجماعة دون الإسلام يطفئ نور البصيرة، ويحوّل الدين من رسالة إلى منافسة.
فاحذر أن تكون ممن يفرحون لأن “فريقهم” انتصر، بينما الحقّ خسر.
الفرح الحقّ لا يعرف لونًا ولا شعارًا، بل يعرف وجه الله وحده.
فقل لي بصدق، هل تفرح لأنهم من جماعتك… أم لأن الحق انتصر؟