
فرحٌ في الأرض بغير حق
(الفرح بالسلطة أو المال أو الجاه على وجه البطر)
في كل زمنٍ يخرج “قارونٌ جديد”، يلبس ثوب النعمة وينسى واهبها، يخطو في الأرض مزهوًّا بماله، كأنّ كنوزه ضمانةُ الخلود، وكأنّ مفاتيحها صكّ الغفران.
وليس قارون في القصة القرآنية شخصًا بعينه فقط، بل هو رمزٌ لكل من فرح بملكٍ زائلٍ ونسي المالك الدائم.
قال الله تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}،
أي الذين يتباهون بنعمه بغير شكر، ويستعلون بما أُعطوا، ظانّين أنّ ما في أيديهم حقٌّ خالص لهم.
والآية لا تكره الفرح نفسه، بل تكره صيغته المتعجرفة التي تنسب النعمة للنفس، لا للرب.
انظر إلى قارون كيف وصف حاله:
{قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي}،
فجعل من نفسه مصدر الفضل، ومن عقله أساس النعمة، ومن ذاته ربًّا صغيرًا يتعبد لغروره.
ذلك هو الفرح المذموم: فرحُ الكبرياء الذي يُغلق باب الشكر، ويفتح باب السقوط.
كم من إنسانٍ اليوم يعيش نسخةً حديثة من قارون، وإن لم يحمل مفاتيح الذهب!
يفرح بمنصبه كأنّما ضمن البقاء، أو يتباهى بسيارته كأنّها تاجٌ من السماء، أو يسير بين الناس متعاليًا، ينسى أنه من ترابٍ إلى ترابٍ يعود.
الفرح بالجاه والسلطان والمال ليس حرامًا إذا صاحبه تواضعٌ وشكر، لكنّه يتحوّل إلى خطيئة حين يُغلق القلب عن الفقراء، وحين تصبح النعمة وسيلةً للتفاخر لا وسيلةً للعطاء.
في سيرة النبي ﷺ مشهدٌ بديعٌ حين فتح مكة، يوم كان الظفر الأكبر الذي انتظره المسلمون سنواتٍ طويلة.
دخل النبي المدينة التي أُخرج منها، لكنه لم يدخلها متكبرًا ولا متباهيًا، بل دخلها مطأطئ الرأس تواضعًا حتى كادت ذؤابة عمامته تمسّ راحلته.
ذلك هو الفرح الحق: فرح النصر بالرحمة، لا فرح البطر بالقوة.
فرحٌ يرى النعمة مسؤولية، لا وسيلةً للتفاخر.
إن الذين يفرحون في الأرض بغير حق، هم الذين نسوا أن الأرض لا تُبقي أحدًا.
يُسرّ أحدهم بسلطانه كأنّه خالد، ويجمع المال كأنّ القبر بعيد.
ولكن الأيام تدور، والنعمة تُختبر، والكرسيّ لا يدوم إلا لمن عرف أنه أمانة، لا تملّكًا.
كان أحد الزهّاد يقول: “من فرح بالدنيا فرحًا أعمى، خاف عليه أن يحزن بالآخرة حزنًا طويلًا.”
لأن الفرح المذموم يُلهي عن التزود، فيُبقي القلب عاريًا يوم الحساب.
والعجيب أن هذا الفرح بالباطل لا يسعد صاحبه حقًّا، لأن النفس تعرف في أعماقها أن ما تملكه اليوم قد يُسلب غدًا.
فهو يضحك خوفًا، ويتباهى قلقًا، ويُظهر الغنى ليُخفي الفقر الأعمق: فقر القلب إلى الله.
أما من عرف المنعم، فإنه يفرح قليلًا بالنعمة، ويطيل الفرح بالمنعم، لأن قلبه لا يرتبط بالزوال، بل بالبقاء.
يُروى أن رجلاً من الصالحين سُئل: “متى تفرح بالمال؟” فقال: “حين أراه وسيلةً إلى صدقةٍ تُرضي الله، لا زينةً تُرضي نفسي.”
وهكذا يكون المؤمن؛ لا يطفئ الفرح في قلبه، لكنه يطهّره من الغرور، يفرح لأنه أُكرم بالعطاء، لا لأنه تميّز عن غيره.
إن الفرح بغير حقٍّ يبدّل معنى النعمة، فيجعلها لعنةً من حيث لا يشعر صاحبها.
فما أكثر من فتح الله له الدنيا ليبتليه بها، وأغناه ليختبر شكره، ورفعه ليبتليه في تواضعه.
فمن نجح في ذلك الفرح، ارتقى، ومن فشل، سقط كما سقط قارون حين خسف الله به الأرض، فغاب جسده كما غابت حكمته.
أيها الإنسان، تمهّل حين تفرح بنجاحٍ أو سلطةٍ أو مالٍ أو مكانة.
اسأل نفسك: هل أنا فرحٌ لأن الله أكرمني؟ أم لأن الناس صفقوا لي؟
هل أرى النعمة وسيلةً إلى الطاعة؟ أم تاجًا أضعه فوق رأسي لأعلو على غيري؟
الفرح الممدوح هو فرح الخشوع، فرح من رأى في النعمة مسؤوليةً فابتسم شكرًا، لا تفاخرًا.
ذلك الفرح الذي يرفع صاحبه في الأرض والسماء معًا، لأنه فرح لله، لا للذات.
الدنيا لا ترفع أحدًا إلا لتختبره، ولا تُسعد أحدًا إلا لتكشف صدقه في الشكر.
فقل لي بصدق، حين تُبهجك النعمة… أتبتهج بها لأنها من الله، أم لأنها تُرضي غرورك؟