
حين يصبح الفرح ميزانًا للروح
ما أعجب الفرح!
كلمة صغيرة تحمل في طيّاتها عوالم من المعاني، فكم من فرحٍ رفع قلبًا إلى السماء، وكم من فرحٍ أهوى بصاحبه إلى مهاوي الغفلة والخذلان.
ليس كل ابتسامةٍ نورًا، ولا كل انشراحٍ هداية، ولا كل سرورٍ علامةَ خير.
فالفرح، وإن بدا مظهرًا بسيطًا، هو في جوهره ميزانُ الروح، يُخبرك أين تتجه بوصلتك، وإلى من تميل نفسك، ومن تسكن محبته أعماقك.
في هذه السلسلة، وقفنا عند خمسة ألوانٍ من الفرح؛ خمسة مشاهد تُشبه مداخل النفس حين تضلّ طريقها بين النعمة والابتلاء، بين الحق والهوى.
رأينا من يفرح بالدنيا كأنّها آخر الأوطان، ناسيًا أن تحت رخام القبور تنام الملوك والفقراء سواء.
وشهدنا من يفرح بمصيبةٍ نزلت بمؤمن، كأنّ قلبه لم يتذوّق يومًا طعم الرحمة.
ولقينا من يفرح بجماعةٍ دون جماعة المسلمين، يضيق صدره باتساع الدين، وينسى أن رابطة الإيمان أوسع من حدود الانتماء.
ثمّ رأينا من يفرح في الأرض بغير حق، يتيه في زهو المال والجاه كأنّ خزائن النعمة ملكٌ شخصي لا أمانة.
وأخيرًا، وقفنا على أشدّهم ظلمة، أولئك الذين يفرحون بالخبث والخبثاء، فيجدون البهجة في سقوط الأبرياء، كأنّ قلوبهم أطفأت آخر مصابيحها.
تأملتُ هذه الصور، فوجدت أن كل فرحٍ منها يُشبه نارًا خفيّة، تضيء لحظةً ثم تحرق العمر كله.
كلها فرحٌ مؤقّت، كسرابٍ يلمع في صحراء الغرور.
يُبهج العين ولا يُنير القلب، يُضحك الوجه ويُطفئ الروح.
الفرح المذموم يا صديقي ليس في ذاته شرًّا، بل في وجهته؛
فالفرح إن توجّه إلى الله صار عبادة، وإن توجّه إلى النفس صار وبالًا.
كم من إنسانٍ ضحك في لحظةٍ فخسر سعادته الأبدية، وكم من قلبٍ بكى هنا، ففرح هناك حيث لا حزن ولا وجع.
الفرح الذي يُرضي الله هو ذاك الذي يمرّ عبر باب الشكر، ويخرج من فم القلب بالحمد، لا بالتفاخر.
هو فرحُ النبي حين نزل قوله تعالى:
{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا}،
أي ليفرحوا بالهداية لا بالمال، بالحق لا بالبطر، بالنجاة لا بالزخارف.
كلّ من عرف الله حقًّا، لم يعد يفرح إلا به، ولا يحزن إلا لفواته.
ذلك هو الفرح النقيّ الذي لا يتلوه ندم، ولا يقطعه خوف.
أما من غفل عن الله، فكل أفراحه مجرّد ضجيجٍ يغطّي على فراغه.
ضحكاته تُشبه أضواء المهرجانات، تبهج العين وتُرهق القلب.
يا صديقي، إن الله لم يخلق الفرح ليُضلّك به، بل ليختبرك فيه.
هل تفرح لأنك قريبٌ منه، أم لأنك بعيدٌ عنه وتظنّ أنك بخير؟
هل تُبهجك النعمة لأنها تذكّرك بكرمه، أم لأنك تراها امتيازًا يُميّزك عن سواك؟
أسئلةٌ كثيرة لو صدقنا في طرحها على أنفسنا لعرفنا أين نقف من هذا الامتحان الكبير.
وما أجمل أن يكون للإنسان قلبٌ يفرح طاعةً ويبكي معصية، يفرح لنجاح الآخرين لا لفشلهم، يفرح إذا رأى الخير يعمّ لا إذا رأى الشر ينتصر.
ذلك هو القلب الحيّ الذي تلمسه رحمة الله فتبتسم فيه الدنيا والآخرة معًا.
لقد تعلّمت من هذه المقالات الخمس أن الفرح الحقيقي لا يُشترى، ولا يُنال من زينة الأرض، ولا يُستعار من أحد.
إنه نورٌ يسكن من أدرك أن الله هو السبب والمسبّب، وأنّ السعادة ليست في الامتلاك بل في الرضا.
فإذا فرحت بالله، أبدلك الله فرحًا لا ينقطع، وسكينةً لا تزول، وضياءً لا يخبو.
إنّ هذه الدنيا قصيرة يا صديقي، وكل أفراحها ظلّ يمرّ على جدار العمر،
لكنّ الفرح بالحق، بالخير، بالإيمان، بالإنسانية… هو وحده الذي يعبر معك إلى الدار الباقية.
فلتفرح إن أطعت، وابتسم إن غفرت، واهنأ إن رضيت،
ولا تفرح إن أضعت، ولا تبتسم إن ظلمت، ولا تهنأ إن غفلت.
فالفرح إنما هو عبادةٌ في لباس السرور، يُختبر به القلب كما يُختبر بالصبر.
فيا ترى… حين تفرح في هذه الحياة، هل تفرح بما يُرضي الله عنك، أم بما يُرضي نفسك عن الله؟