
عينٌ غَضَّت عن محارم الله
ليست كلُّ نظرةٍ تُرى بها الحياة، فبعضُ النظرات تُميت القلب قبل أن تُبهج العين. وما أكثرَ العيون التي تفتحت على الحرام حتى عَميت عن النور، وما أكرم تلك التي غَضَّت طرفها حياءً من الله، فكانت أغلى عنده من آلاف الركعات.
إن الله جلّ في علاه إذا أحب عبدًا، حفظ له بصره، فلا ينظر إلا لما يُرضيه. وقد قال النبي ﷺ في حديثه الشريف:
“النظرة سهمٌ مسموم من سهام إبليس، فمن تركها من مخافتي أبدلته إيمانًا يجد حلاوته في قلبه.”
ما أعظم هذا الوعد!
أن يترك الإنسان نظرةً عابرةً إلى ما حرّم الله، فيُبدله الله بنورٍ وطمأنينةٍ لا تشتريها الدنيا كلّها.
العين التي تغضّ عن الحرام ليست غافلة، بل هي يقِظةٌ، واعية، تعرف أن وراء كل صورةٍ تُغضِب الله امتحانًا للضمير. وأن الجمال الذي يُعرض بلا حدود ليس جمالًا بل فخًّا.
وحين يُغلق المؤمن بصره، يفتح الله له بصيرةً يرى بها أشياء لا تُرى بالعيون.
في زمنٍ تُطاردنا فيه الصور من كل اتجاه، وتُغري العيون بما يُبعدها عن الحياء، أصبح غضّ البصر عبادةً صامتة لا يراها الناس، لكنّ الله يراها ويُثيب عليها أجر المجاهدين.
إنها عبادة الخفاء، حيث لا يُصفّق لك أحد، لكنّ الملائكة تكتب في صحيفتك:
“عبدٌ مرّ بالحرام فغضّ بصره خوفًا من الله.”
قيل إنّ شابًا من الصالحين كان يسير في أحد الأسواق، فرأى امرأةً في غاية الجمال. فتسلّلت إليه النظرة الأولى، ثم انتبه قلبه وقال في نفسه: “تلك نظرةٌ قد تُغضب ربي، فكيف أبيع الجنة بلحظة؟”
فخفض بصره، ومضى.
وفي ليلته رأى في المنام نورًا يملأ وجهه، فقيل له: هذه ثمرة نظرتك التي غضضتها لله.
فبكى وقال: “ما أكرمك يا رب! تركت نظرةً فأعطيتني نورًا.”
إن غضّ البصر ليس حرمانًا كما يظن البعض، بل هو تحرّرٌ من أسر الهوى. فالعين التي تألف الحرام لا تشبع، أما العين التي تخاف الله فتستريح، لأنّها لا تحمل وزرًا ولا شهوةً مذلّة.
وما أجمل قول الإمام ابن الجوزي حين قال:
“من أطلق بصره تاه في أودية الهوى، ومن أغمضه سكن قلبه.”
وغضّ البصر ليس خاصًا بالرجال دون النساء، بل هو أدبُ المؤمنين جميعًا. قال تعالى:
“قُل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم… وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن.”
فالآية تضع الكلّ أمام امتحانٍ واحد: من تغلب على عينه، نجا قلبه.
العين التي تغضّ عن الحرام تُصبح في مقام الحياء، كأنها تقول في كل لحظة: “ربي يراني.”
ومن استشعر مراقبة الله، صار نظره عبادةً وصمته ذكراً.
وفي لحظة صدق، حين تكون وحدك ولا يراك أحد، وتأتيك الصورة أو المشهد المحرّم، ثم تختار أن تغضّ بصرك، فاعلم أنك في تلك اللحظة أحبّ الخلق إلى الله، لأنك فضّلت رضاه على شهوتك، وخشيته على لذّتك.
قال أحد العارفين:
“ما من عبدٍ غضّ بصره عن حرامٍ إلا أنبت الله في قلبه شجرةً من نور، تسقيها دموع الخشية، وتظلّه يوم الهول الأكبر.”
فغضّ بصرك — يا أخي ويا أختي — ليس لأنّ الجمال حرام، بل لأنّ كلّ جمالٍ خارج حدود الله يُطفئ نور القلب، ويُنسيك جمال الحقّ نفسه.
واحفظ هذه الحقيقة:
العين التي لا تعرف الحياء، لا تعرف الطمأنينة.
والعين التي تغضّ عن الحرام، يكتب الله لها في ميزانها نظراتٍ طاهرة تُقابل بها وجهه الكريم يوم القيامة.
فيا من فتحتَ عينيك على دنيا مزدحمةٍ بالفتن، جرّب أن تُغمضها قليلًا لأجل الله، لترى بعين قلبك ما هو أبهى وأصفى.
ستجد أن راحة البال لا تأتي من رؤية الجمال، بل من غضّ النظر عنه حين يكون حرامًا.
فما خفي عن عيون الناس، يعلمه الله ويُثيب عليه.
سؤال الختام:
أحقًّا نغضّ أبصارنا اليوم عن ما يُغضب الله، أم أننا تعوّدنا النظر بلا خوفٍ ولا خجل؟