
عينٌ بكت من خشية الله
ليست كلُّ دمعةٍ ضعفًا، فبعضُ الدموعِ عبادةٌ ترتقي بصاحبها إلى الجنة.
الدموع التي يُحبّها الله ليست دموعَ الخسارة أو الوجع، بل دموعُ الخشية التي تنبت من تربة الإيمان، وتُروى بماء المحبة، وتُزهر في قلبٍ عرف عظمة ربّه.
قال رسول الله ﷺ:
“عينان لا تمسّهما النار: عينٌ بكت من خشية الله، وعينٌ باتت تحرس في سبيل الله.”
إنها دمعةٌ تُطفئ بحارًا من الذنوب، وتغسل القلب كما يغسل المطر وجه الأرض بعد القيظ.
وما أغلى لحظةَ تخرج فيها الدمعات خفيفةً، صادقةً، من قلبٍ ذاب وجلاً حين سمع آيةً أو تذكّر ذنبًا. تلك اللحظة لا يراها الناس، لكنها عند الله تساوي عمرًا من الغفلة.
يُروى أن رجلاً من العابدين كان إذا سمع آيات العذاب بكى حتى تبتلّ لحيته، فقيل له يومًا: “أما تخاف أن يراك الناس فتُتهم بالرياء؟”
فقال: “ويحكم، دموع الخوف لا تعرف الرياء، إنها نارٌ لا تخرج إلا من قلبٍ احترق.”
ثم رفع بصره إلى السماء وقال: “اللهم إن كانت دموعي رياءً فاغفر لي، وإن كانت منك فزدني بها قربًا.”
هكذا هي دموع الخشية، لا يطلب بها صاحبها مدحًا، ولا يختار زمانها أو مكانها، إنها تباغته كما يباغت البرقُ الغيم، لأنها تخرج من روحٍ أرهقها الشوق إلى الصفح.
البكاء من خشية الله ليس حزنًا سلبيًّا، بل يقظةٌ روحية، تذكّرك أنك ما زلت حيّ القلب، تتألم حين تذنب، وتخجل حين تُقصّر.
ولذلك قيل: “من علامة الإيمان أن يبكي العبد من خشية الله إذا خلى بنفسه.”
إنّ الدموع الصادقة لا تحتاج إلى منبر، يكفي أن تُطفئ في الخفاء نارًا كادت تُحرق القلب.
حين تخلو بنفسك، وتستعيد ذنوبك القديمة، وتهمس: “يا رب، سامحني”، ثم تنهمر دمعةٌ على خديك — فاعلم أن تلك الدمعة ليست ماؤها من عينيك، بل من روحك.
يُحكى عن الفضيل بن عياض — وكان من كبار العُبّاد — أنه قرأ قوله تعالى:
“ألم يأنِ للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق…”
فبكى حتى سقط مغشيًا عليه، وقال: “بلى يا رب، قد آن… قد آن.”
ومنذ تلك اللحظة تغيّرت حياته.
كانت دمعةً واحدةً كافيةً لتبدّل طريقه من معصيةٍ إلى عبادة، ومن خوفٍ إلى أمان.
تلك هي قوة الدموع الصادقة: تغيّر مجرى العمر، وتفتح بابًا بينك وبين الله لا يُغلق.
ما أجمل قول الإمام ابن القيم حين قال:
“إذا أشرق نور الإيمان في القلب، سقطت دموع الخشية، لأن القلب حينها يرى ما لا تُبصره العيون.”
فالبكاء من خشية الله ليس ضعفًا، بل هو قوة الحب في أعلى مراتبها، حين يُدرك العبد أن الله عظيمٌ وهو صغير، وأنه مهما أحسن فالله أكرم، ومهما أساء فالله أرحم.
في زمنٍ تُقسّي فيه الدنيا القلوب، صار البكاء من خشية الله نادرًا، لكنه ما زال مُمكنًا لمن طلبه بصدق.
قف وحدك ليلًا، في زاوية غرفتك، واغلق الأضواء، وقل: “اللهم ارزقني عينًا تبكي من خشيتك.”
لن تمضي أيام حتى يلين قلبك، وتبكي، وربما لا تدري لماذا، لكنك ستعلم بعد الدمع أن شيئًا من نور الله قد مسّك.
دموع الخشية ليست عارًا، بل شرف.
يُقال إن في الجنة واديًا يُسمّى وادي الدموع، لا يدخله إلا من بكى في الدنيا من خشية الله، فيه ريح المسك تسري كما تسري النسمة في الفجر، ومن نزل فيه نُسي حزنه، وغُفر ذنبه، وقيل له: هذه دموعك التي حفظناها لك يوم كنت تبكي في الخفاء.
فيا من قسا قلبه، لا تيأس، فالقلب مهما جفّ يمكن أن يلين.
جرّب أن تفتح القرآن بقلبٍ خاشعٍ، لا بعينٍ عابرة.
جرّب أن تسمع: “قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله”، واسمح لقلبك أن يجيب: “يا رب، لم أقنط، لكني اشتقت للبكاء بين يديك.”
سؤال الختام:
متى آخر مرةٍ بكيت فيها من خشية الله، لا من حزن الدنيا؟