دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

عينٌ بكت عند سماع الحق والقرآن

ليست كلّ دمعةٍ تُراق عند الكلام دمعةَ خشوع، فبعضها يُذرف للناس، وبعضها يُسكب للربّ.
لكن حين يُتلى كلام الله، وتُبصر العين آيةً تمسّ القلب، فتهتزّ الجوارح خشيةً، تلك دمعةٌ لا تشبهها دمعة، ولا يزنها شيء في ميزان السماء.

قال الله تعالى في وصف أولئك الخاشعين:

“وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق.”

تفيض… لا تدمع فقط، بل تفيض، كأن القلب انكسر دفعةً واحدةً أمام الحقيقة، وأمام الحنان الإلهي الذي يلفّ آياته: مغفرة، رحمة، وعدٌ، وعفو.


العين التي تبكي عند سماع القرآن ليست عينًا ضعيفة، بل قلبًا قويًا أدرك عظمة من يُخاطبه.
فما القرآن إلا رسالةٌ من الله إلى عبده، ومن الطبيعي أن تهتزّ القلوب حين يُتلى.
وحين يُقرأ قوله تعالى:

“قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله…”
تجد المؤمن يطأطئ رأسه، ويهمس: “يا رب، هذه لي.”
ثم تفرّ دمعةٌ من زاوية عينه كأنها توقيعٌ على عقد المغفرة.


يُروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يسمع في صلاة الفجر آياتٍ من سورة الطور، حتى بلغ الإمام قوله تعالى:

“إن عذاب ربك لواقع، ما له من دافع.”
فسقط عمر مغشيًا عليه، فحُمل إلى بيته أيامًا، يعوده الناس وهو يردد: “تذكّرت وعد الله… فبكيت.”
تلك هي دموع الفهم، دموع من يُدرك أن القرآن لا يُتلى ليُسمع، بل ليُغيّر.


وفي قصةٍ أخرى، كان أحد الصالحين يسمع آيات الرحمة، فيبكي كما يبكي الطفل، فقيل له: “مالك تبكي هكذا؟”
فقال: “لأنني وجدت في كل آيةٍ من القرآن طريقًا إلى الله، وأنا أخاف أن أغفل عن أحدها.”

ما أجمل هذا الإحساس — أن ترى في القرآن طريقًا، لا كتابًا فقط.


إن العين التي تبكي عند سماع الحق ليست مجرد عينٍ حساسة، بل عينٌ متصلة بالقلب، كلما لامستها آية، اهتزّ القلب كالأرض حين ينزل عليها المطر.
تلك الدموع هي شهادة حياة: فالقلب ما دام يبكي، فهو حيّ.


كم من إنسانٍ ضاقت به الدنيا، فلما سمع قوله تعالى:

“ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب”
أجهش بالبكاء، وكأنه سمع وعدًا شخصيًا له وحده.
وكم من مذنبٍ سمع:
“قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا…”
فبكى حتى اغتسل قلبه من ذنوبه.

القرآن لا يحتاج إلى شرحٍ بقدر ما يحتاج إلى قلبٍ حاضرٍ، ودمعةٍ صادقةٍ تترجم الفهم.


وفي عصرٍ غلبت فيه الأصوات الصاخبة على همس الآيات، قلَّت العيون التي تبكي عند سماع القرآن، لأننا صرنا نسمع بآذاننا لا بقلوبنا.
ولو أننا أعدنا لأنفسنا خلوةً مع كتاب الله — بلا هواتف ولا ضجيج — لعرفنا أن بين الحروف بحارًا من الرحمة تنتظر من يغترف منها.

قال أحد السلف:

“لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام الله.”
فالقلب حين يصفو، تبكي العين تلقائيًا، لأنها تُدرك أن صاحب هذا الكلام هو خالقها، وأن كل آيةٍ رسالةُ حبٍّ إلهيةٍ موجهةٌ إليها شخصيًا.


حين يُتلى القرآن، ابكِ إن استطعت، فإن لم تبكِ فتباك، كما قال النبي ﷺ.
ليس رياءً، بل تدريبًا للقلب على الرقة، حتى يعتاد البكاء من خشية الله لا من تعب الدنيا.

ومن أجمل ما قيل:

“من لم تدمع عينه عند سماع القرآن، فليبكِ على أنه لا يبكي.”


فيا من جفّت دموعك من صخب الحياة، أعدها إلى نبعها الأول: بين آيات الله.
دع القرآن يمرّ في أذنك حتى يلمس قلبك، فسيأتيك مشهدٌ أو وعدٌ أو تحذيرٌ لا تملك أمامه إلا البكاء.
وابكِ — لا خوفًا فقط — بل حبًا، شوقًا، رجاءً، واعترافًا بالعجز أمام الجلال.

سؤال الختام:

هل ما زال في قلبك موضعٌ للدمعة حين يُتلى كلام الله؟

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مدونة عَلى الفِطرَة

حيث نعودُ بالتعليم إلى صفائه الأول، إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها

دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

Culture générale

المعرفة سر النجاح

Saif AL Nuaimi

كاتب . مُحلل مالي . مُدرِب مُعتْمد

"زعترة برية🌱"

هنا تجدونني أبوح ببعض ما جال في خاطري أتقافز بين السطور بحريّة .. هاربة من قيود الواقع ✍

¤الحياة ¤

لايوجد حروف تصف الحياه

About Business Life

Real & practical advises to build and grow your business

صُبح

لو أنّ اللغة لم تعرف ضمائر الغيبة، لماتت الذاكرة جوعًا، وأعلنت الكتابة إفلاسها

نقطة عالحرف

مدونة لـ جنى نصرالله

صفحات صغيرة

أفكار في التقنية، التعليم والتبسيط يكتبها عبدالله المهيري

نجمة.

كفتاه تحارب الحياة وسلاحها القلم ، حياتنا قصه نرويها بأنفسنا ونضع من الذكريات ما نشاء فلنضع فيها ما يسرنا🌟.

حنين حاتم (كلمات مسحورة)

أهلا بكم في عالم الكلمات المسحورة