
حين تتوضأ العيون بالدمع
تبدأ الرحلة من العين، وتنتهي إليها، لأنها مرآة القلب، وصدى الروح، ولأنها — قبل أن تبصر الأشياء — تبصر الله في كل شيء.
في هذه السلسلة، سافرنا مع خمس أعينٍ أحبّها الله ورسوله ﷺ، خمس نوافذٍ إلى النور، كلّ واحدةٍ منها بابٌ مختلف من الإيمان، لكنها جميعًا تلتقي في نقطةٍ واحدة: الخشوع والصدق مع الله.
كانت البداية مع عينٍ تنظر في ملكوت السماوات والأرض، تلك العين التي لا تكتفي بالنظر إلى الدنيا بسطحها، بل تغوص في أعماقها لترى أثر الصانع في المصنوع.
هي عينٌ لا تمرّ على الغروب مرورًا عابرًا، ولا على النجوم كأنها زينة، بل تراها آياتٍ تنطق بوجود الله، فتتفكر، وتقول كما قال الخاشعون:
“ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار.”
تلك العين تترقّى من النظر إلى المشاهدة، ومن المشاهدة إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى السجود.
ثم وقفنا عند عينٍ غضّت عن محارم الله، وهي جهادٌ خفيّ لا يراه الناس، لكنه عند الله عظيم.
عينٌ قاومت ضعفها حين دعيت للحرام، فغضّت بصرها طاعةً لا عجزًا.
كم من نظرةٍ جرّت حسرة، وكم من غَضّةٍ أنبتت نورًا في القلب.
قال رسول الله ﷺ:
“النظرة سهمٌ من سهام إبليس، من تركها من مخافتي أبدلته إيمانًا يجد حلاوته في قلبه.”
تلك العين التي تغضّ، تُكرم في الدنيا بطمأنينة، وفي الآخرة بنورٍ يسعى بين يديها.
ثم رحلنا إلى عينٍ بكت من خشية الله، فوجدنا أن الدموع التي تُراق من الخوف ليست ضعفًا، بل دليل حياة القلب.
كل دمعةٍ صادقةٍ تسقط في جوف الليل، يُكتب لها وزنٌ لا يُقاس، لأن الله تعالى وعد:
“عينان لا تمسّهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله.”
في تلك العين، يلتقي الخوف بالحبّ، والرهبة بالرجاء، فتبكي لا من فزع، بل من معرفة، من يقينٍ بأنك صغيرٌ أمام عظمة الله، وكبيرٌ بعفوه.
ثم انتقلنا إلى عينٍ باتت تحرس في سبيل الله، عينٌ لا تعرف النوم حين ينام الناس، لأنها تسهر لأجلهم.
عينٌ تقف على ثغور الأوطان والقلوب، تحفظ الأرض أو تحفظ الكلمة أو تحفظ الأمانة.
هي عين المجاهد والمرابط والمخلص في كل ميدان.
كل سهرٍ في سبيل الله يُكتب في صحيفتها نورًا، وكل تعبٍ فيها راحةٌ أبدية، لأن الله لا ينسى من سهر في سبيله ساعة.
ثم ختمنا الرحلة بـ عينٍ بكت عند سماع الحق والقرآن، دمعةٍ من خشوعٍ لا من وجع، دمعةٍ تخرج من قلبٍ ارتجف عند سماع كلام الله.
هي عينٌ تعرف الصوت الذي يُخاطبها، وتدرك أن القرآن ليس مجرد آياتٍ تتلى، بل رسائل حبٍ ومغفرةٍ من ربٍ قريبٍ رحيم.
تلك الدموع هي أصفى أشكال الطهارة، لأنها تُطهر القلب قبل الوجه، وتغسل الذنب قبل أن يُكتب.
وهكذا رأينا أن هذه العيون الخمس — وإن اختلفت مواقفها — تلتقي في سرٍّ واحد: الصفاء مع الله.
عينٌ تتفكر فتصل،
وعينٌ تغضّ فتسمو،
وعينٌ تبكي فتُطهّر،
وعينٌ تحرس فتُكرم،
وعينٌ تسمع فتخشع.
هي درجات المحبة، وسلالم النور التي يُكرم الله بها عباده المؤمنين.
كل عينٍ من هذه العيون تحمل رسالةً خاصة:
أن الإيمان ليس في الألسن فقط، بل في النظرات، في الدمع، في السهر، في الصمت، في لحظةٍ تمرّ بها الآية على القلب فتُحدث انقلابًا.
في زمنٍ كثرت فيه النظرات الباردة، والعيون الجافة، والأبصار التي لا تبصر إلا الظاهر — كم نحن بحاجةٍ إلى أن نعيد لأنفسنا حرارة الإيمان في النظر، وطهارة الدمع، ونور البصيرة.
لأنّ العين ليست مجرد جارحةٍ تُبصر، بل شاهدٌ علينا يوم القيامة:
“وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون.”
وما أصدق قول من قال:
“من أكرم عينه في الدنيا عن الحرام، أكرمها الله في الآخرة برؤية وجهه الكريم.”
إنّ الله لا ينظر إلى العيون في جمالها، بل في صدقها، لا في لونها، بل في دمعها.
قد تكون عينك ضعيفة البصر، لكنها قوية البصيرة.
قد تكون مريضةً في الجسد، لكنها مبصرةً في الروح.
وما بين نظرةٍ صادقةٍ ودمعةٍ خاشعةٍ، يُكتب مصير الإنسان.
يا قارئ هذه السلسلة،
إنها ليست مجرد قصصٍ عن العيون، بل دعوةٌ لتطهير نظرك، لتغضّ، لتتأمل، لتبكي، ولتسهر لله لا للدنيا.
فإنك حين تفعل، يراك الله بعين رحمته، ويجعل في نظرتك نورًا، وفي دمعتك أجرًا، وفي سهرِك سلامًا.
وسؤال الختام الذي تتركه هذه السلسلة في القلب:
إذا كان الله قد أحبّ هذه العيون الخمس، فإلى أيّ عينٍ منها تُريد أن تكون عيناك أقرب؟