
“حين تُربّي نفسك… تُشفى عينك: مجاهدة النفس وتعويدها”
كل إنسان يحمل في داخله نفسًا لها صوتان:
صوت يدعوه للعُلو، للسمو، للنقاء، ولغضّ البصر؛
وصوت يدعوه للانجراف خلف اللذة السريعة، والانحناء للغواية، والاستسلام للنظر المحرّم.
ومجاهدة النفس ليست حربًا تُخاض مرة وتنتهي، بل هي برنامج تربية مستمر…
تعلّم فيه نفسك كيف ترى، وكيف تصبر، وكيف تتجاهل اللمعات الخاطفة التي تسحب القلب من الطريق.
وقال الإمام الحسن البصري:
“ما نظرتُ نظرةً أكره أن أُحاسَب عليها إلا تركت بعدها ألف نظرة.”
هكذا هو الطريق… تُجاهد مرة، فتقوى ألف مرة.
النفس… بين الاندفاع والانضباط
النفس إذا لم تُدرَّب، قادتك إلى حيث لا تريد.
وإذا أُدِّبت، أصبحت مطيعة، رقيقة، صادقة في الطلب.
غضّ البصر يبدأ من العين،
لكن ثباته يبدأ من القلب،
ورسوخه يبدأ من تربية النفس.
النفس تتعود…
تتعود على النظر
وتتعود على الغض
وتتعود على الطاعة
وتتعود على المعصية.
وأنت صاحب القرار:
ماذا تريد أن تكون عادة قلبك؟
لذلك قال ابن القيم:
“النفس كالطفل، إن تهمله شبَّ على حبّ الرضاع، وإن تفطمه ينفطم.”
قصة تُجسّد معنى التربية على غضّ البصر
كان هناك شابٌ يعمل في مكتبة كبيرة، يجلس فيها يوميًا، ويمرّ أمامه آلاف الناس.
وكان يشكو من صعوبة غضّ بصره وسط هذا الزحام.
فذهب لشيخٍ حكيم يشكو، فقال له الشيخ:
“كم مرة حاولت أن تغضّ بصرك ولم تستطع؟”
قال: “كثيرًا، يا شيخ.”
قال الشيخ:
“وهل استسلمت؟”
قال: “نعم… مرارًا، ثم أعود.”
فقال الشيخ:
“أتعرف ما المشكلة؟ ليست في عينك… المشكلة في نفسك التي لم تُدرَّب بعد. أنت تريد أن تنتصر في المعركة الأولى، وهذا لا يحدث. النصر يأتي بعد عشرات المناوشات.”
ثم قال:
“يا بني… اغضض بصرك اليوم مرة، وغدًا مرتين، وبعد أسبوع ثلاثًا… حتى تصبح عادة، لا معركة.”
يقول الشاب:
“بعد أشهر… أصبحت لا أشعر بإغراء النظر كما كنت أشعر. كأن نفسي اعتادت الطريق، وارتاحت إليه.”
كيف تُجاهد نفسك؟
1. ابدأ بالانتصار الصغير
لا تقل: سأغضّ بصري دائمًا.
قل:
سأغضّ بصري في هذه اللحظة فقط.
هذه اللحظة الصغيرة… هي حجر الأساس.
2. امنح نفسك وقتًا لتتحول
التغيير ليس زرًا.
القلب يحتاج وقتًا ليشفى، والنفس تحتاج وقتًا لتتربّى.
لا تُعاقب نفسك حين تضعف، بل قُم وعاود المحاولة.
الطريق طويل، لكن نتيجته نور.
3. عاقِبها بلطف… وكافِئها بقوة
عندما تخطئ… ذكّر نفسك بآية، أو قم لركعتين، أو استغفر.
وعندما تنتصر… كافئ نفسك بالشعور بالفخر، بالإحساس بالقرب من الله، بالدعاء.
النفس تحب المكافأة.
4. اجعل لك وردًا يوميًا من الذكر
لا شيء يروّض النفس مثل الذكر.
إذا امتلأ القلب بالطمأنينة، ضعفت فيه شهوة اللحظة.
5. اكسر دورة الإدمان البصري
النظر المحرّم يُلحق النظر المحرّم… وسلسلة طويلة.
والحل: اكسر الحلقة.
مرة واحدة… تغيّر المسار.
اقتباسات ترسّخ معنى المجاهدة
- قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
“إن هذه النفوس تُقبل وتُدبر، فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل، وإذا أدبرت فألزموها بالفرائض.” - وقال أحد السلف:
“المجاهدة أن تمنع نفسك مما تهوى، حتى تطيعك فيما تريد.” - وقال ابن رجب:
“صلاح القلب أساس صلاح الجوارح، ومن أصلح قلبه، سهلت عليه مجاهدة نفسه.”
لماذا المجاهدة ضرورية لغضّ البصر؟
1. لأن الشهوة قوية
ولا يكسرها إلا قلب درّب نفسه على الطاعة.
2. لأن الدنيا اليوم مفتوحة
وأبواب الفتن كثيرة…
فلا بد من قلبٍ مستعد.
3. لأن كل مجاهدة تورث قوة
وكل استسلام يورث ضعفًا.
4. لأن الله يحب المجاهدين
قال تعالى:
“وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُم سُبُلَنَا.”
ما دام الله يعد بالهداية… فلماذا نخاف الطريق؟
ماذا يحدث حين تُربّي نفسك؟
1. تصبح النظرة أثقل على عينك
فتكره النظر الحرام، لا لأنك تخافه… بل لأن قلبك صار أنقى.
2. تنخفض حرارة الشهوة
كأن القلب أصبح أكثر حكمة، وأبعد عن الاندفاع.
3. تشعر بالراحة والاتزان
كأن روحك صارت مستلقية على بساط من نور.
4. ترى جمال الطاعة أكثر من جمال الصورة
وهذا أعظم نصر.
المجاهدة ليست شعارًا… هي رحلة
رحلة قد تبكي فيها مرة، وتنهزم مرة، وتنتصر مرات.
لكن المهم… ألا تتوقف.
غضّ البصر عبادة،
وتعويد النفس عبادة،
ومقاومة الضعف عبادة،
والله يراك… ويُحصي لك كل محاولة.
حتى المحاولة تُكتب لك حسنات.
وحتى الضعف يُكتب لك ثواب الصبر إن قمت منه.
وأجمل ما في المجاهدة…
أن الله لا يتركك وحدك، بل يرافقك بنور، وهداية، وسكينة.
سؤال نهاية المقال
إذا كانت نفسك ستتعود في النهاية… فهل تريدها أن تتعود على النجاة، أم على السقوط؟