
طريق العين… وطريق القلب
لم تكن هذه السلسلة عن “غضّ البصر” مجرد كلامٍ يمرّ، أو وعظًا يُقرأ ثم يُنسى، بل محاولة لفتح نافذةٍ على حقيقةٍ أخلاقية وروحية تكاد تضيع في زمنٍ امتلأت فيه الدنيا بالصور والفتن والملهيات. خمس محطات وقفنا فيها، وكل محطةٍ كانت لبنة تُبنى في صرحٍ واحد: صيانة القلب.
فالإنسان يبدأ بعيونه قبل أن يبدأ بخطواته، ويزلّ ببصره قبل أن يزلّ بقدميه؛ لذلك كان إصلاح القلب يبدأ من إصلاح النظرة، لأن البصر مرآة الروح، وجسرٌ إلى الداخل، ومفتاحٌ يمكن أن يفتح باب نور… أو باب ظلمة.
المحطة الأولى: استحضار مراقبة الله… الأصل الذي تقوم عليه كل بقية الأبواب
تعلّمنا في أول مقالة أنّ غضّ البصر ليس مهارة سلوكية تبدأ بالإرادة فقط، بل يبدأ من مكان أعمق… من لحظة يستحضر فيها الإنسان أن الله يراه. وأن كل نظرةٍ يهمّ بها الإنسان، إنما يسبقها سؤال صامت:
“هل هذه النظرة تُرضي الله… أم تُغضبه؟”
استحضار مراقبة الله ليس قيدًا، بل رحمة؛ ليس تضييقًا، بل حماية.
ومن عرف أن الله معه، وبصره عليه، وأنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، هان عليه أن يغضّ طرفه، واستحيا أن يجعل نظره جسرًا نحو ما لا يُرضي الكريم.
وفي تلك المقالة أدركنا أن الاستعانة بالله لا تقلّ عن المجاهدة، وأن من قال بإخلاص:
«اللهم اصرف قلبي وبصري لما تحب»
لم يُخيّب الله دعاءه.
المحطة الثانية: الابتعاد عن مواطن الفتن… لأن الوقاية أقوى من العلاج
أما في المحطة الثانية، فتعلمنا أن العين بطبيعتها ضعيفة أمام الإغراء، وأن الإنسان مهما كان قويًا قد ينهزم أمام مشهدٍ يفاجئ قلبه. ولذلك كان من الحكمة أن يبتعد عن مواطن الفتن، لا لأنها محرّمة بذاتها، بل لأنها تُمهّد للسقوط.
فالنظر بداية، والزلّة نهاية، وما بينهما خطواتٌ صغيرة تتسلل دون أن يشعر بها الإنسان.
ولهذا قال السلف:
“ما من خطوةٍ أبعد عن الفتنة من خطوةٍ لم تُسلك أصلًا.”
والابتعاد عن أماكن الفتنة—في الشارع، والإنترنت، ومواقع التواصل—ليس هروبًا، بل شجاعة… لأن الشجاع الحقيقي هو من يعرف نقطة ضعفه فيحمي نفسه منها.
المحطة الثالثة: مجاهدة النفس وتعويدها… لأن الطهارة الداخلية تُبنَى بالتدرّج
وفي المحطة الثالثة وقفنا على حقيقة ثابتة:
أن النفس لا تُروّض إلا بالمجاهدة.
غضّ البصر ليس قرارًا لحظيًا، بل تمرين يومي، يتعلّم فيه الإنسان كيف يقول لنفسه “لا” حين تميل، وكيف يوقف رغبة حين تتقد، وكيف يتراجع عن نظرة حين تستدعيه.
وقد فهمنا أنّ المجاهدة ليست صراعًا، بل بناء.
وأن النفس كلما اعتادت الطاعة، أصبح غضّ البصر سجية، لا معركة.
وأن من ربّى عينه على الصبر، ربّى قلبه على الثبات.
وفي تلك المحطة تذكّرنا أن لحظة مقاومةٍ قصيرة… قد تصنع عمرًا من الطمأنينة.
المحطة الرابعة: الإكثار من النوافل… غذاءٌ يقوّي الروح على التحكم بالجسد
أما المقالة الرابعة فكانت عن البئر التي يستقي منها القلب قوّته: النوافل.
فالنوافل ليست عباداتٍ إضافية فحسب، بل هي وقودٌ يمدّ الروح بقوةٍ تُعينها على كبح شهواتها.
من اعتاد قيام الليل—ولو بركعتين—نظر بعينٍ مختلفة.
من اعتاد الذكر، خفّت عليه لحظة الغضّ.
من أطال السجود، أصبح أكثر قدرة على مقاومة رغباته.
فكل نافلة تزرع نورًا، وكل نورٍ يقلّل قدرة الظلمة على الدخول.
ومن كان لله في الخفاء… حفظه الله في العلن، وفي الشارع، وعلى الهاتف، وأمام الفتن.
المحطة الخامسة: معرفة ثواب غضّ البصر… وعقاب إطلاقه
وفي آخر المقالات، عرفنا الوجهين المتقابلين للطريق:
طريقٌ يرفعك بنور، وطريقٌ يضعك بظلمة.
من غضّ بصره منحَه الله نورًا في قلبه، وثباتًا في روحه، وبركةً في يومه، وقوةً في إرادته، وطمأنينةً يشعر بها في لحظات الوحدة.
ومن أطلق بصره بغير حق، جلب إلى قلبه غبارًا يُعكّر صفاءه، ووساوس تُضعف عزيمته، وتشتتًا يمنع عنه الطمأنينة.
وبين الثواب والعقاب…
يتضح أن النظرة ليست حدثًا عابرًا، بل مفتاحًا لمستقبلٍ روحي كامل.
السلسلة كلها… كانت طريقًا واحدًا
وعندما نجمع المحطات الخمس، نفهم الحقيقة الكبرى:
غضّ البصر ليس مجرد سلوك أخلاقي، بل مشروع حياة.
يبنى على مراقبة الله، ويُحمى بالابتعاد عن الفتن، ويقوى بالمجاهدة، ويزدهر بالنوافل، ويكتمل بمعرفة ثوابه وعاقبة تركه.
هذه الخطوات ليست منفصلة، بل حلقات تتعانق.
لا معنى للمجاهدة بدون مراقبة الله،
ولا معنى للابتعاد بدون إرادة تُغذّيها النوافل،
ولا معنى لمعرفة الثواب بدون قلبٍ حاول أن يجرب لذة الطاعة.
فالطريق واحد…
طريق يحفظ البصر فيحفظ القلب، ويحفظ القلب فيحفظ الإنسان كله.
وختامًا…
بعد هذه الرحلة الطويلة بين محطات السلسلة، يقف كل إنسان أمام نفسه، ويسأل السؤال الذي لا يهرب منه قلبٌ صادق:
أيّ رجلٍ… وأيّ امرأةٍ… تريد أن تكون؟