
“لا تخبر أحد – سر الطاعة الخفية والنية الصادقة”
في عالم اليوم، أصبحت الطاعات معلنة، والأعمال الصالحة تُعرض على الجميع، وكأنّنا بحاجة إلى شهادة البشر لنشعر بأنها مقبولة عند الله. لكن الحقيقة، كما علمنا القرآن والسنة، أن أعظم الطاعات هي التي تبقى بين العبد وربه، لا يعرف بها إلا الله. فالسر في الطاعة يكمن في النية الصادقة، وفي أن يكون عملك لله خالصًا، بعيدًا عن أعين البشر ومطرقة الشهرة الزائفة.
تخيل رجلًا يصلي الليل، يقطع السهر لينال رضا الله، لكنه يخبر الآخرين بذلك، فيسمعه الجميع، ويُثنى عليه، ويشعر برضا الناس عن نفسه أكثر من رضاه عن ربه. هنا، الطاعة قد فقدت سرها، وأصبحت وسيلة لإظهار النفس، لا أداة للتقرب إلى الله.
يحكي لنا التاريخ قصة أبي هريرة رضي الله عنه، كيف كان يقوم بالعبادة في الخفاء، حتى أنه كان يُخفِي الصدقة عن أهل بيته، وكان النبي ﷺ يقول: “من أسرع إلى الصدقة فلم يُظهرها فقد أذنبها”، لأن السرية في الطاعة تزيدها نورًا وبركة، وتجعل صاحبها أقرب إلى الله دون أي تأثير من البشر.
السر في الطاعة الخفية لا يعني الانعزال أو التظاهر بالكمال، بل يعني النقاء الداخلي، وصفاء النية. عندما تصلي أو تصوم أو تتصدق، لا تجعل عينيك على من يشاهدك، بل اجعل قلبك على الله وحده. لأن الطاعة التي تُرى ولا تُشعر هي مجرد عادة، والطاعة التي يُخفيها القلب هي حياة روحية حقيقية.
اقتباس من القرآن يعكس هذا المعنى بوضوح:
“وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء” (البينة: 5).
النقاء في السر هو مدرسة للقلب، يعلمك الصبر، والاتزان، والبعد عن رياء النفس. ومن يعيش هذا السر يجد في قلبه راحة لا تضاهى، وسعادة لا تمنحها كلمات البشر أو إعجابهم.
قصص الصحابة مليئة بالأمثلة. كان عثمان بن عفان رضي الله عنه يعطي الصدقات في الخفاء، حتى لم يعلم أهله عن الأمر، والنبي ﷺ كان يثني على هذا السر في الطاعة، ويبين أنه سبب في زيادة الأجر وثبات القلب على الطاعة.
إن من أخطر ما يهدد الطاعة هو حب الشهرة، أو الرغبة في مدح الناس، أو التباهي بما نعمله من أعمال. فالطاعة لله وحده تُطهّر القلب، وتجعل حياتنا مليئة بالسكينة والرضا. أما إذا أُعلنت الطاعات للنظر والإعجاب، فقد تصبح عبئًا على النفس، وتتحول إلى وسيلة للوصول إلى رضا البشر بدل رضا الله.
في الخفاء، تصنع الطاعة شخصيتك، تصقل روحك، وتعمّق إيمانك. حين لا يُرى عملك إلا الله، فإنك تتعلم الصبر، وتتحرر من قيود رياء النفس، وتدرك أن الأجر الحقيقي لا يُقاس بالتصفيق أو الكلام، بل بالرضا الإلهي والسكينة الداخلية.
فكر في هذا: كم مرة فعلت خيرًا وأخفَيْتَه عن الناس؟ وكيف شعرت بعد ذلك؟ كم شعورًا بالراحة والطمأنينة غمر قلبك؟ هذا الشعور ليس صدفة، بل هو برهان على صحة نيتك، وعلى عمق طاعتك لله.
خلاصة:
لا تخبر أحدًا عن طاعتك، فهي بينك وبين الله فقط. كل عمل صالح خفي، كل صلاة لا يشهدها إلا الله، كل صدقة تُخفى عن أعين الناس، هي كنز لا يزول، ونور يضيء قلبك. الطاعة الخفية هي اختبار للنية، وميزان للإخلاص، وطريق للسكينة الحقيقية.
سؤال ختامي:
هل تستطيع أن تحافظ على طاعتك خفية، بعيدًا عن أعين البشر، لتختبر صدق قلبك وإخلاصك لله؟