
“لا تمن على الله طاعتك – تواضع القلب وصدق الشكر لله”
كم من مرة ظنّ الإنسان أن الطاعة التي يؤديها تستحق المدح، أو أنها ستجعل الله ممتنًا له؟! هذا شعور شائع بين القلوب، لكنه بعيد كل البعد عن حقيقة العلاقة بين العبد وربه. الله سبحانه وتعالى لا ينتظر منا شيئًا مقابل نعمته، ولا يحتاج إلى طاعتنا لتزيده عظمة. بل إن الطاعة مجرد فرصة لنا، لنرتقي بالروح ونقوي العلاقة مع الخالق، لا لنفرض أنفسنا على الله بمكافأة أو رضا.
تخيل مزارعًا يعطي الأرض ما تحتاجه من سقاية وعناية، ثم يجلس ليشكر نفسه على جهده، متناسياً أن المطر والشمس والخصوبة كلها من الله. هذا بالضبط ما يحدث إذا ظن العبد أن طاعته تزيد من فضل الله عليه، أو أن الله مُطالب بشكره عليها. الطاعة ليست تجارة بيننا وبين الله، بل هي رحلة حب وتذلل، وامتثال بقلوب صافية.
يحكي لنا الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين قصة رجل كان يتصدق ويصوم ويصلي بإتقان، لكنه سرعان ما ينغمس في شعور “أنا أعطيت، أنا أطعت”، حتى أصبح قلبه متكبّرًا على الناس، وملولاً من أداء الطاعات. حينها جاءه رجل حكيم وقال له: “إذا ظننت أن الله ينتظر طاعتك، فقد أضعت قلبك في وهم، وما صنعت إلا لذات نفسك”.
الإنسان الذي يمن على الله بطاعته، يفقد روعة الطاعة وجمالها. النية يجب أن تكون صافية، لا غاية فيها سوى رضا الله. النبي ﷺ علمنا أن أفضل الأعمال أن يُسِرها الإنسان، ولا يبتغي بها مدح الناس، ولا يظن أن الله يحتاج إلى فضله. فكل طاعة، من أصغرها كابتسامة صادقة، إلى أعظمها كالصدقة أو صلاة الليل، يجب أن تكون خالصة، متواضعة، بلا أي تمنٍ أو توقع مقابل.
اقتباس من القرآن يذكرنا بهذا المعنى:
“فَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ”(النساء: 36)
فالعبادة خالصة لله، والنية الصادقة هي ما يرفع العمل إلى أعظم درجاته.
دعنا نأخذ قصة من الواقع المعاصر: امرأة كانت تعمل في مشروع خيري لإطعام الفقراء، وكانت تفعل ذلك بصمت تام، لا تخبر أحدًا، ولا تنتظر شكرًا، ولا تصور أعمالها لنشرها على وسائل التواصل. شعرت بسعادة عميقة، وراحة قلبية لا تضاهى، إذ كانت تعلم أن كل فعل خالص لله وحده له أجره عنده، دون أي تدخل بشري.
إذا أردنا أن نعيش الطاعة حقيقة، يجب أن نتخلى عن “أنا أعطيت”، ونتذكر دائمًا: كل ما نقدمه لله هو قليل جدًا مقارنة بنعمته علينا. تواضع القلب أمام الله، وصدق النية، وابتعاد الطاعات عن الشعور بالاستحقاق، كل ذلك يجعل العمل أسمى، والنفس أصفى، والروح أقرب إلى السكينة الحقيقية.
خلاصة:
لا تمن على الله بطاعتك، ولا تنتظر منه الثناء على عملك. كل طاعة خالصة لله، بلا توقع أو طلب مقابل، تزيدك نقاءً، وتجعل قلبك خفيفًا، وروحك حرة، وسعادتك حقيقية. الطاعة لله ليست عبئًا، ولا وسيلة لتحقيق الذات، بل هي فرصة للارتقاء بالروح والانصهار في محبة الله.
سؤال ختامي:
هل تستطيع أن تطيل النية في قلبك، وتؤدي طاعتك لله خالصة، بلا أي تمن أو شعور بالاستحقاق، لتختبر صدق محبتك له؟