دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

مقدمة سلسلة: “خمس وقفات… إذا عصيت الله فلا تفعلها”

في رحلة الإنسان فوق هذه الأرض، يمشي بثقلين: ثقل الجسد الذي يضعف، وثقل القلب الذي يتقلّب. نولد على الفطرة، ثم تتكاثر حولنا الدروب، وبعضها مُضاء وبعضها معتم، وبعضها يشبه خطًّا مهجورًا بين نورٍ وليلٍ طويل. وفي هذه الرحلة، لا أحد يمرّ دون أن يتعثّر، ولا أحد يخرج من الدنيا بلا خطايا، فباب الخطأ جزء من خلقتنا، وباب التوبة جزء من رحمة الله بنا. وبين البابين تعيش أرواحنا، تارةً ترتجف خوفًا، وتارةً تنبض رجاءً، وتارةً تُصاب بالحيرة بين ما نعرفه وما نفعله، وبين ما نقوله وما يراودنا.

نحن البشر لا نسقط فقط بأجسادنا، بل نسقط أكثر عندما تزلّ أرواحنا، حين يخرج الإنسان عن الطريق الذي يعرف أنه طريق الصواب. وقد يكون الذنب لحظة ضعف، أو لحظة عجلة، أو لحظة جهل، أو انكسار، أو فتنة، أو فراغ روح، أو تعلّق بقلب لا يستحق… لكن الله لا يحاسبك لأنك ضعفت، بل يحاسبك حين تُقيم للخطأ بيتًا في قلبك، وتضع له كرسيًا في نواياك، وتجعل له موعدًا في يومك.

ولأن الإنسان يتقلّب، ولأن الله يعلم أن القلوب لا تثبت، فتح أبواب الرحمة أكثر مما فتح أبواب الحساب، وكتب علينا الذنب ليكتب لنا العودة، وجعل في داخلنا صوتًا خافتًا يشبه النداء: “ارجع.. الباب لم يُغلق”. ذلك الصوت الذي قد يضعف، لكنه لا يموت، ولو اختفى خلف صخب الحياة.

ومن هنا جاءت هذه السلسلة… سلسلة “خمس وقفات… إذا عصيتَ الله فلا تفعلها”.
ليست وعظًا جافًا، ولا نصائح تُلقى من بعيد، ولا لغة تعلو على الإنسان، بل هي وقفات للقلب، رسائل تمسّ روحًا تتألم من خطئها، أو تبحث عن طريق تطمئن فيه، أو تحتاج كلمة تُعيد لها يقينها، أو تريد أن تفهم لماذا يسقط الإنسان، ولماذا ينهض، وكيف تكون خطواته بعد الذنب أهمّ من الذنب نفسه.

الذنب ليس نهاية.
الذنب بداية طريقين: طريق يردّك إلى الله، وطريق يردّك عن الله.
والفرق بين الطريقين ليس في حجم الذنب، بل في كيفية التعامل معه.

تخيل إنسانًا وقع في ذنبٍ بلا تخطيط ولا نية مسبقة… ثم جلس يبكي، يشعر بأن صدره أضيق من أنفاسه، وأن الدنيا كلها تتقلّص في عينيه لأن قلبه يؤلمه. هذا الإنسان أقرب إلى الله من كثير ممن لم يذنبوا أصلًا؛ لأن بكاءه اعتراف، واعترافه توبة، وتوبته حياة.
وفي المقابل، هناك من يرتكب الذنب وكأنه يمارس عادة، يرتّب له، ويبرّره، ويفرح به، ويُظهره، ويدعو إليه… وهنا يتحوّل الذنب من خطأ بشري إلى ظلمة روحية.

وفي هذه السلسلة، سنمشي معًا في خمس محطات خطيرة قد ترفع الذنب أو تثقّله، وقد تُقربك أو تُبعدك، وقد تجعل قلبك يشفى أو ينكسر أكثر:

الوقفة الأولى: لا تخطّط للمعصية.
فالذنب الذي يأتي بغتةً أهون من الذنب الذي تُهيّئ له نيتك ووقتك. التخطيط للخطأ هو إعلانٌ داخلي بأن القلب لم يعد يستحي.

الوقفة الثانية: لا تفرح بها.
لأن الفرح بالذنب موت تدريجي للروح، ولأن المؤمن قد يذنب، لكنه لا يبتسم للمعصية، بل يخجل منها.

الوقفة الثالثة: لا تجاهر بها.
فالله يسترك لأنك ضعيف، لا لأنك مستهتر. المجاهرة هدمٌ لستر وهبه الله لك، واعتداء على حرمة نعمة لا يعرف قيمتها إلا من فقدها.

الوقفة الرابعة: لا تُصرّ عليها.
الإصرار هو أن تسقط ثم تقيم بيتًا على موضع السقوط. أن ترى الخطأ ولا تشعر بوجعه. وهو أشدّ من الذنب نفسه.

هذه الوقفات ليست أحكامًا قاسية، بل نوافذ يطلّ منها القلب على نفسه.
هذه السلسلة ـ في جوهرها ـ ليست عن الذنب، بل عن الإنسان بعد الذنب.
ليست عن العثرة، بل عن ما يحدث بعدها.ليست عن سواد الخطأ، بل عن نور الرجوع.

قد يكون الذنب بداية نورٍ لا نهاية ظلام، وقد يكون سببًا لصلاح قلبٍ كامل، وقد يكون الرحمة التي قادت إنسانًا إلى باب الله بعد سنوات كان فيها بعيدًا.
فالذنب الذي يُورث انكسارًا… أحبّ إلى الله من طاعةٍ تورث غرورًا.

ولأن القلب يتعلّم من الألم أكثر مما يتعلّم من الراحة، ولأن الروح تنضج حين تخوض اختبار الندم، جاءت هذه السلسلة لتذكّرك بأن خطأك ليس قصتك… بل بداية الفصل الصحيح منها.

وفي نهاية كل مقال من مقالات هذه السلسلة الخمسة، سنضع سؤالًا للقلب… سؤالًا يجعلك تفكر في داخلك لا في كلمات المقال، سؤالًا يُعيد ترتيبك من الداخل قبل أن تجد الطريق من الخارج.

وفي ختام السلسلة كلها، سيكون هناك سؤال واحد أخير… ذلك السؤال الذي قد يغيّر الطريق أو على الأقل يجعل ضوءًا صغيرًا يشتعل في زاوية روحك.

والآن ـ قبل أن نبدأ أولى الخطوات ـ يبقى السؤال الأعمق، السؤال الذي تُبنى عليه كل الوقفات الخمس، السؤال الذي يحدّد شكل الرحلة كلها:

بعد كل ذنبٍ مررت به في حياتك… هل كنت تقترب من الله أم تبتعد عنه؟

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مدونة عَلى الفِطرَة

حيث نعودُ بالتعليم إلى صفائه الأول، إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها

دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

Culture générale

المعرفة سر النجاح

Saif AL Nuaimi

كاتب . مُحلل مالي . مُدرِب مُعتْمد

"زعترة برية🌱"

هنا تجدونني أبوح ببعض ما جال في خاطري أتقافز بين السطور بحريّة .. هاربة من قيود الواقع ✍

¤الحياة ¤

لايوجد حروف تصف الحياه

About Business Life

Real & practical advises to build and grow your business

صُبح

لو أنّ اللغة لم تعرف ضمائر الغيبة، لماتت الذاكرة جوعًا، وأعلنت الكتابة إفلاسها

نقطة عالحرف

مدونة لـ جنى نصرالله

صفحات صغيرة

أفكار في التقنية، التعليم والتبسيط يكتبها عبدالله المهيري

نجمة.

كفتاه تحارب الحياة وسلاحها القلم ، حياتنا قصه نرويها بأنفسنا ونضع من الذكريات ما نشاء فلنضع فيها ما يسرنا🌟.

حنين حاتم (كلمات مسحورة)

أهلا بكم في عالم الكلمات المسحورة