
«حين يسبق الظلامُ الظلام: لا تُخطّط للمعصية»
لا تُخطّط للمعصية
في لحظات الضعف، قد يسقط الإنسان في معصيةٍ لم يكن ينويها، فيجد نفسه بعد دقائق يعاتب قلبه ويستغفر، وكأنه يستيقظ من غفوة لم يشعر بها. هذا النوع من السقوط معروف، فالبشر خُلقوا ليخطئوا ويعودوا. لكن الخطر الحقيقي يبدأ حين لا تكون المعصية سقوطًا… بل موعدًا. حين لا تأتي صدفة… بل استعدادًا.
هنا يتحوّل الذنب من فعل إلى نيّة، ومن زلة إلى تصميم، ومن ضعف إلى تحدٍّ صامت للضمير.
ليس أخطر من المعصية إلا الطريق المؤدي إليها.
ذلك الطريق الذي يمهّده الإنسان بخطوات صغيرة متتابعة: نظرة محسوبة، رسالة مقصودة، موعد مُعلَن، باب يُغلق، تفكيرٌ يتكرر حتى يتحوّل إلى خطّة.
والخطة — مهما كانت بسيطة — أخطر من الفعل نفسه؛ لأن الفعل ينتهي، أما الخطة فتترك خدشًا في القلب، تقول له:
“لقد استطعنا أن نرتّب للخطأ… واستطعنا أن نقنعك بأنه طبيعي.”
ولأن الإنسان حين يُذنب دون أن يخطّط يشعر بقسوة الذنب، فإن من يخطّط له يفقد هذا الإحساس تدريجيًا، حتى يتحوّل قلبه إلى مكانٍ هادئ لا يسمع فيه صوت التحذير.
الفرق بين الضعف… والإعداد للضعف
الضعف يأتي فجأة.
لكن التخطيط يبدأ قبل السقوط بوقت طويل… يبدأ من لحظة يُقنع فيها الإنسان نفسه بأن الأمر “بسيط”. وهذا هو الجسر الأول الذي يُقام للخطأ.
ثم يأتي الجسر الثاني حين يقول لقلبه: “لن يضرّني أن أفكّر قليلاً.”
ثم الثالث: “لن يضرّ أن أجرب.”
وفي اللحظة التي يفكر فيها المرء هكذا… يكون الذنب قد وُلد قبل أن يحدث.
وليس أعظم شهادة من قول أحد السلف:
“ما عُصي الله بذنبٍ كان أعظم من ذنبٍ استُقبل بالتدبير.”
قصة… كان الله فيها أرحم من قلب صاحبها
كان هناك شاب — نسمّيه سامر — لم يكن سيئًا، بل كان مثل كثير من الشباب الذين يحملون قلوبًا فيها خير ونقص، نور وظلمة.
ذات يوم، خطرت له معصية لم يكن يجرؤ عليها من قبل. لم يسقط فيها فجأة، لكنه جلس يفكر… يفكر ويقنع نفسه. تردّد، ففتح هاتفه. أغلقه ثم أعاد فتحه.
كانت لحظة صغيرة، لكنها كانت بداية الخطة.
وبينما كان يخرج من المنزل مصممًا على الذهاب حيث لا ينبغي، حدث ما لم يتوقعه…
سيارة مسرعة مرّت بجانبه واصطدمت بسيارة أخرى، فاضطر إلى التوقف طويلًا، ثم جاءت الشرطة وأغلقت الطريق كله.
عاد سامر إلى البيت، غاضبًا لأنه “لم يتمكّن من تنفيذ خطته”.
لكن بعد ساعة… جلس يفكر في الأمر.
سأل نفسه:
“هل توقيف الطريق صدفة؟
هل كان الله يمنعني من نفسي؟
هل هذا التأخير نعمة أم عقوبة؟”
وبكى.
بكى لأنه رأى نفسه على حافة هلكة، ورأى أن الله — رغم كل شيء — لم يتركه.
ظلّ يردّد بعدها لسنوات:
“هناك ذنوب لا تنقذك منها إلا يد الغيب.”
وهذه القصة ليست عن حادث سيارة… بل عن حادث قلب.
عن لحظة يشعر فيها الإنسان بأن الله يدبر له الرحمة، حتى حين كان هو يدبّر للمعصية.
لماذا التخطيط أخطر من الفعل؟
- لأنه يدلّ على أن الذنب سكن القلب قبل أن يسكن الجوارح.
فالله يرحم ضعف الجسد، لكنه يحاسب على تهيئة القلب للخطأ. - لأنه يحوّل الحرام إلى “مشروع”
وما يصبح مشروعًا في ذهن الإنسان يصبح من السهل تكراره. - لأنه يقتل رهافة الضمير.
فحين تخطّط للذنب مرة… تصبح مستعدًا له في المرّات القادمة. - لأنه يبعدك عن باب الله قبل أن تبلغه.
فالتوبة من ذنب غير مخطط لها أسهل، بينما التوبة من خطأ خطّطت له تحتاج كسرًا أعمق للقلب.
بينك وبين نفسك… لحظة صدق
كل واحد منا مرّ بهذه اللحظة:
لحظة يبدأ فيها التفكير في معصية — أي معصية — وتبدأ النفس بإعداد الطريق.
لكن القلب في داخله يعرف… يعرف أن اللحظة التي يبدأ فيها “التجهيز” هي اللحظة التي يجب أن يتوقف فيها فورًا.
الذنب يمكن كبحه قبل بدايته.
النية يمكن إطفاؤها قبل أن تشتعل.
الباب يمكن إغلاقه قبل أن يُفتح.
والله — من رحمته — يعطي الإنسان دومًا علامة أولى ليعود.
قد تكون ضيقًا في النفس.
قد تكون كلمة تسمعها من صديق.
قد تكون موقفًا بسيطًا، أو انشغالًا مفاجئًا، أو عائقًا لم تفهمه.
هذه العلامات ليست صدفة… بل رسائل لطيفة من السماء تقول لك:
“توقف… الطريق ليس طريقك.”
اقتباسات تضيء الطريق
- “ما أصعب أن تخون قلبك قبل أن تخون ربك… حين تُهيئ للذنب بيتًا في داخلك.”
- “الذنب الذي يُرتكب دفعةً واحدة قد يُمحى بالتوبة… أما الذنب الذي يُزرع في القلب فهو الذي يخشى منه.”
- “الشيطان لا يبدأ بالذنب، بل يبدأ بالفكرة.”
العودة تبدأ قبل البداية
قد يظنّ البعض أن التوبة تأتي بعد الذنب… لكنها تأتي قبله أيضًا.
حين تقطع الطريق على نفسك وتقول:
“لن أرتّب للخطأ، حتى لو وقعت ضعيفًا يومًا… أريد أن أكون ضعيفًا بلا خيانة.”
هذه الكلمات وحدها ترفعك عند الله درجات، لأن من يترك الذنب وهو قادر عليه — لا لأنه تعطل، بل لأنه خاف ربّه — هو من يفتح الله له من النور ما لا يُفتح لغيره.
فالأبطال الحقيقيون ليسوا الذين لا يذنبون… بل الذين يقطعون الطريق على الذنب قبل أن يولد.
السؤال الختامي
هل هناك ذنبٌ واحد — فقط واحد — تعلم أنك لم تقع فيه إلا بعد أن خطّطت له؟
وإن كان الجواب نعم… فهل أنت مستعد اليوم أن تقطع الطريق على نفسك قبل أن تقطعه على ذنبك؟