دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

«سترك الله… فلا تفضحه: لا تجاهر بالمعصية»

لا تجاهر بالمعصية

يعيش الإنسان في هذه الحياة بين سترين:
سترٍ من الناس… وستـرٍ من الله.
وما دام الستر قائمًا، يبقى الباب مفتوحًا للتوبة، وتظلّ الروح قادرة على أن تتعافى مهما جُرحت، وأن تعود مهما ابتعدت. فالذنب، مهما كان كبيرًا، يظل أصغر من رحمة الله إذا أُخفي عنه، وطلب صاحبه المغفرة.

لكن المجاهرة…
المجاهرة هي لحظة سقوط لم تعد تخصّ الإنسان وحده، لحظة يرفع فيها الذنب رأسه ويقول:
“ها أنا ذا.”
ويقول صاحب الذنب:
“وهذا أنا… لا أخجل.”

وهنا تبدأ أخطر نقطة في طريق المعصية:
أن يتحوّل الذنب من همسٍ إلى صوت، ومن فعلٍ إلى إعلان، ومن زلةٍ إلى توجه.


ما معنى المجاهرة؟

المجاهرة ليست فقط الإعلان الصريح، بل لها وجوه كثيرة:

  • أن يفعل الإنسان الذنب أمام الناس بلا خوف من نظرة الله.
  • أن يتحدّث به فخرًا أو مزاحًا أو تفاخرًا.
  • أن ينشره في وسائل التواصل بسذاجة أو لفت انتباه.
  • أن يذكره لصديق وكأنه قصة بطولة.

الرسول ﷺ قال:
«كل أمتي معافى إلا المجاهرين»
لأن المجاهر لا يكشف ذنبه فقط، بل يكشف ستر الله عنه، وكأنّه يقول:
“يا رب… سترتني، ولكني سأكشف نفسي.”

وهذا — يا محمد — أبشع أنواع التمرّد.


قصة رجل كشف نفسه… فابتلاه الله بما خافه

كان هناك شاب اسمه مالك.
كان يفعل ذنبًا لا يرضاه الله، لكنه كان يفعله خفية، ومن لطف الله أنه كان كلما فعله شعر بانكسار.
لكن في يومٍ من الأيام، جلس مع أصدقائه، وتحدّث واحد منهم عن ذنب فعله.
فضحك مالك وقال:
“هذا بسيط… لو تعرفون أنا ماذا أفعل!”

ثم بدأ يروي ذنبه كأنه بطولة، كأنه أمر يدعو للإعجاب.
ضحكوا… لكنه في تلك الليلة لم ينم.
شعر بأن شيئًا انكسر.
ليس الذنب… بل الحياء.

بعد أسبوع واحد فقط، وقع مالك في خطأ كبير.
لم يستطع إخفاءه.
انتشر خبره، وعرف به الناس، وأحسّ بأن الدنيا ضاقت عليه كلها.

جلس يبكي وقال:
“حين أخبرت أصدقائي، لم أكن أروي قصة… كنت أكشف ستر الله عني. فتركني الله لنفسي لحظة واحدة، فظهرت حقيقتي.”

لم يكن عقابًا… كان درسًا.
وكان الدرس قاسيًا… لكنه أنقذ قلبه.


المجاهرة ليست مجرد كشف… بل إفساد للآخرين

حين يجاهر الإنسان بالمعصية، فهو لا يجرح نفسه فقط، بل يفتح بابًا لغيره.
فقد يسمع شخص ضعيف إيمان حديثه، فيقلّده.
وقد يرى صورة حرام، فيتبع أثرها.
وقد يقرأ قصة ذنب، فيفعل مثلها.

هنا يصبح الذنب الواحد ذنوبًا كثيرة.
وتتحوّل المعصية الصغيرة إلى سلسلة لا تنتهي، يشارك صاحبها كل من جرّهم إليها، حتى لو لم يقصد.

وهنا جوهر خطورة المجاهرة:
أنها ليست ذنبًا بينك وبين الله… بل ذنب بينك وبين المجتمع، وبينك وبين من قد تفسده قصتك أو صورتك أو تعليقك.


لماذا يفضح الناس أنفسهم؟

تختلف النوايا… لكن الخطر واحد:

  1. البحث عن الانتباه
    في زمن التواصل، أصبح الناس يفضحون أنفسهم من أجل لايك أو إعجاب أو تفاعل.
  2. الهروب من الشعور بالذنب
    البعض يظن أنه عندما يضحك على ذنبه أو يرويه، سيخفّف ذلك ثقله.
  3. العناد الداخلي
    حين يقول الشيطان للإنسان: “أرِهم أنك قوي… أنك لا تخجل.”
  4. فقدان الحياء
    وهذه أخطر مرحلة، حين يصبح ما كان ممنوعًا بالأمس مباحًا اليوم.

لكن مهما كان السبب… فإن النتيجة واحدة:
القلب يُظلم، والنور ينطفئ، والستر ينكشف.


نعمة لا يشعر بها إلا من فقدها: الستر

الستر ليس مجرد إخفاء للذنوب… بل هو رحمة.
رحمة تحفظ كرامة الإنسان، وتمنحه فرصة ليعود دون أن ينكسر أمام الناس.

فحين يسترك الله، فهو يعطيك فرصة جديدة.
وحين تكشف نفسك، فأنت تمنح الشيطان فرصة جديدة.

الستر يعني أن الله رأى قبح ذنبك ولم يفضحك.
فهل تكافئ الله بأن تفضح نفسك أمام الناس؟


اقتباسات تضيء القلب

  • “الستر هدية… فلا تمزّق الغلاف بيدك.”
  • “من جاهر بذنب، فقد جاهر بوقاحته قبل معصيته.”
  • “الله يستر لتتوب… لا لتتكبر.”
  • “الذنب بينك وبين الله رحمته واسعة… لكن الذنب بينك وبين الناس ثقيل.”

المجاهرة… طريق إلى الإصرار

عندما يقول الإنسان ذنبه، يكرره.
وعندما يكرره، يعتاده.
وعندما يعتاده، يصبح جزءًا من شخصيته.
وهنا يتحوّل الخطأ إلى نمط حياة.

والمجاهرة هي الخطوة الأولى نحو ذلك.
هي إذابة للحاجز النفسي الذي يمنع الذنب من أن يصبح عادة.


بينك وبين الله… مساحة مقدسة

هناك مساحة في القلب لا يجب أن يدخلها أحد سوى الله.
مساحة من الأخطاء، والاعترافات، والسقطات، والبكاء، والانكسار.
هذه المساحة كلما حفظتها، زاد نورك.
وكلما كشفتها، تلاشى نورك.

والله — جل جلاله — يضع في روح الإنسان حسًّا يسمّى “الحياء الداخلي”،
فإذا بقي الحياء… بقيت إنسانًا.
وإذا ضاع… صرت نسخة مشوشة من نفسك.


السؤال الختامي

لو كان يمكنك أن تمحو من ذاكرة الناس شيئًا واحدًا أعلنته يومًا من المعاصي… فما هو؟
وهل كنت ستعلنه لو عاد بك الزمن؟

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مدونة عَلى الفِطرَة

حيث نعودُ بالتعليم إلى صفائه الأول، إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها

دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

Culture générale

المعرفة سر النجاح

Saif AL Nuaimi

كاتب . مُحلل مالي . مُدرِب مُعتْمد

"زعترة برية🌱"

هنا تجدونني أبوح ببعض ما جال في خاطري أتقافز بين السطور بحريّة .. هاربة من قيود الواقع ✍

¤الحياة ¤

لايوجد حروف تصف الحياه

About Business Life

Real & practical advises to build and grow your business

صُبح

لو أنّ اللغة لم تعرف ضمائر الغيبة، لماتت الذاكرة جوعًا، وأعلنت الكتابة إفلاسها

نقطة عالحرف

مدونة لـ جنى نصرالله

صفحات صغيرة

أفكار في التقنية، التعليم والتبسيط يكتبها عبدالله المهيري

نجمة.

كفتاه تحارب الحياة وسلاحها القلم ، حياتنا قصه نرويها بأنفسنا ونضع من الذكريات ما نشاء فلنضع فيها ما يسرنا🌟.

حنين حاتم (كلمات مسحورة)

أهلا بكم في عالم الكلمات المسحورة