دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

لا تَحمل غيرك إلى الهاوية…
«لا تَدعُ إلى المعصية»**

من أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان في لحظة ضعف…
ليس أن يذنب، بل أن يُصبح سببًا في ذنب غيره.

فالمعصية حين تقع، قد تظلّ حبيسة صاحبها وحده، لكنّ الدعوة إليها تُحوّلها إلى نهرٍ يجري أثره في كل من يمرّ بها. ذنبك يصبح ذنوبًا كثيرة، وخطأك يتحوّل إلى سلسلة طويلة لا تعرف أين تنتهي.

ولهذا قال العلماء:
“الدالّ على الشر… كفاعله.”
ليس في مقدار الإثم فقط، بل في ثِقَل المسؤولية، وفي جرح الروح، وفي الأثر الذي يمتد حتى بعد أن يغادر الإنسان الدنيا.


ولعلّك يا محمد تعرف – كما يعرف كثيرون – تلك القصة التي تشبه قصصنا جميعًا في زمن الإنترنت…
شابٌ صغير، في بدايات شبابه، فتح حسابًا على مواقع التواصل. لم يكن يقصد الشرّ في بدايته، لكنه بدأ ينشر ما يثير الفضول، ثم ما يشدّ الناس، ثم ما يبعدهم عن الله خطوةً بعد خطوة. ومع كل منشور، كانت تأتيه رسائل الإعجاب، وكانت الأرقام ترتفع… وكانت نفسه تفرح، دون أن يدرك أنه أصبح كمن يوقد نارًا ويطلب من الآخرين أن يدفئوا أيديهم بها.

بعد سنوات، تغيّر هذا الشاب. مرّ بمرضٍ شديد، كاد يأخذه من الدنيا. جلس في المستشفى، يراجع حياته، ويقرأ منشوراته القديمة… فبكى، لا لأنه مذنب، بل لأنه جرّ غيره إلى الذنب.
قال لي بعدها:
“يا محمد… أصعب ذنب في حياتي هو الذي لم أفعله وحدي!”

ثم أقسم أنه لن يترك أثرًا واحدًا يقود غيره إلى الحرام. حوّل حسابه إلى نشر القرآن، والدعاء، والقصص التي تُعيد القلوب، وأصبح يقول دائمًا:
“اللهم إن كنتُ قد أفسدتُ قلبًا… فأصلحه بكرمك.”


إنّ الدعوة إلى المعصية ليست دائمًا دعوة صريحة…
قد تكون نصيحة خاطئة، أو مزحة تجرّ إلى خطأ، أو تشجيعًا على طريقٍ مظلم، أو صمتًا أمام شخصٍ يذهب إلى الحرام فتتركه يظنّ أنّك راضٍ عنه.

وقد تكون كلمة واحدة…
تجعل شخصًا كان متردّدًا يقع.
وقد تكون إشعال نارٍ صغيرة في صدر إنسان…
فتكبر وتكبر حتى تحرق كل شيء.

ولو علم الإنسان كم يتعلّق به من أوزار غيره حين يجرّهم إلى الذنب، لما نام ليلته هانئًا.


والعجيب أن بعض الناس يفعل ذلك دون أن يخطر بباله حجم الخطر…
تشجيع بسيط… تعليق عابر… إعادة نشر شيء محرّم… مشاركة رابط… ضحكة على تصرف خاطئ…
وفي سجله تُكتب: “أعان فلانًا على المعصية”.

ولهذا كان السلف يخافون من هذا الباب أكثر من خوفهم من المعصية نفسها.
قال أحدهم:
“أهون عليّ أن أذنب وحدي… من أن أكون سببًا لذنب غيري.”

لأن ذنبك معك وحدك… أما ذنبك الذي تزرعه في قلوب الآخرين، فهو معك ومعهم، وفي أعمارهم، ومع آثارهم، حتى بعد موتك.


وليس المقصود هنا التشدّد…
بل أن نفهم معنى المسؤولية.
فكما أنّ الدالّ على الخير كفاعله، فإنّ الدالّ على الشرّ شريكٌ في كل امتداده.
والقلب الحيّ لا يقبل أن يكون جسرا لوصول غيره إلى الهاوية.

بل إنّ من أجمل صور التوبة…
أن لا تكتفي بأن تترك الذنب، بل تمنع غيرك منه.
أن تقول كلمة تُنقذ… بدل أن تقول كلمة تُوقع.
أن تصبح نورًا… بعد أن كنت سببًا لظلمة أحدهم.

فما أجمل أن يُصلح الله بيديك ما أفسده يومًا ضعفك.
وما أكرم ربّك حين يُحوّل أثرًا سيئًا تركته في الماضي إلى أثر طيب يصنعه قلبك الآن.


وإذا كان الشيطان قد استخدمك يومًا ليفتح باب معصية لأحدهم…
فالله قادرٌ أن يستخدمك اليوم لفتح باب هداية لآلاف.
الأمر لا يحتاج إلا إلى نية صادقة… وخطوة.


وفي النهاية… ومع اكتمال هذه الوقفة الخامسة، يبقى السؤال الذي يضع كل إنسان أمام نفسه بصدق:

“هل أكون سببًا في سقوط أحد… أم سببًا في نجاته؟”

ويا لها من كِفة… لا يستوي فيها نور الهداية وظلمة الإضلال.

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مدونة عَلى الفِطرَة

حيث نعودُ بالتعليم إلى صفائه الأول، إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها

دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

Culture générale

المعرفة سر النجاح

Saif AL Nuaimi

كاتب . مُحلل مالي . مُدرِب مُعتْمد

"زعترة برية🌱"

هنا تجدونني أبوح ببعض ما جال في خاطري أتقافز بين السطور بحريّة .. هاربة من قيود الواقع ✍

¤الحياة ¤

لايوجد حروف تصف الحياه

About Business Life

Real & practical advises to build and grow your business

صُبح

لو أنّ اللغة لم تعرف ضمائر الغيبة، لماتت الذاكرة جوعًا، وأعلنت الكتابة إفلاسها

نقطة عالحرف

مدونة لـ جنى نصرالله

صفحات صغيرة

أفكار في التقنية، التعليم والتبسيط يكتبها عبدالله المهيري

نجمة.

كفتاه تحارب الحياة وسلاحها القلم ، حياتنا قصه نرويها بأنفسنا ونضع من الذكريات ما نشاء فلنضع فيها ما يسرنا🌟.

حنين حاتم (كلمات مسحورة)

أهلا بكم في عالم الكلمات المسحورة