دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

حين يعود القلب إلى مكانه الأول…**

ليست هذه السلسلة يا محمد مجرد كلماتٍ كُتبت لتُقرأ ثم تُطوى، بل هي رحلة قصيرة داخل النفس… رحلة نحو المناطق التي نخفيها، تلك التي تتقاطع فيها الرغبات بالندم، والضعف بالإيمان، والسقوط بالقيام.
فالله لم يخلق قلوبنا لتكون كاملة، بل خلقها لتكون قريبة… قريبة منه، مهما ابتعدت، مهما تعبت، مهما سقطت.

ولعلّك لاحظت أنّ هذه السلسلة لم تُبنَ على التخويف، بل على كشف الحقيقة:
أنّ خطر الذنب ليس في لحظته، بل في امتداده…
في فكرته…
في أثره…
في الذين يشاركوننا فيه دون أن يشعروا أو نشعر.


١- في الوقفة الأولى: “لا تُخطّط للمعصية”

كنّا نتحدث عن تلك اللحظة المبكرة… اللحظة التي يسبق فيها العقلُ الفعل، والقلبُ الحركة، والنواياُ الخطوات.
فالذنوب التي تنفلت من الإنسان فجأة، يغلبه فيها ضعفه، يفتح الله لها أبواب الرحمة مهما عظُمت.
أما الذنب الذي يُصنع صناعة، ويُهيّأ له مكانه وزمانه، فهو جرحٌ عميق في العلاقة مع الله.
لأن صاحبه لم يقع… بل أراد أن يقع.

وهنا بدأت الرحلة… لأنّ الإنسان إذا عرف أين يبدأ الخطأ، عرف كيف يتجنّبه.


٢- في الوقفة الثانية: “لا تفرح بالمعصية”

كنّا نتحدث عن القلب حين ينقلب.
حين يرى الخطأ مكسبًا، والمعصية غنيمة، والابتعاد عن الله انتصارًا صغيرًا في عينه.
ذلك النوع من الفرح الذي لا يشبه الفرح… بل يشبه انطفاء المصباح الأخير في الروح.

فالذنب يا محمد قد يكون ابتلاءً…
لكن الفرح به عقوبة.
والإنسان الذي يرقص فوق سقطة قلبه، لا يشعر أنّه يهدم شيئًا من داخله… حتى ينهار في لحظة واحدة.

وهنا فهمنا أن المعصية قد تخدعك بلذّتها… لكنها لا تتركك إلا فارغًا من الداخل.


٣- في الوقفة الثالثة: “لا تجاهر بالمعصية”

انتقلنا إلى ذلك الباب الخطير الذي يفتح للناس، ويُغلق على صاحبه…
المجاهرة.
فالذنب الذي يُقترف في الخفاء، يبقى بينك وبين الله… قد يُغفر، قد تُستر، قد تُطهّر.
أما الذنب الذي يُعرض أمام الناس، ويُروى بفخر، ويُظهر صاحبه نفسه كمن انتصر على أمرٍ كان يجب أن يخجل منه… فهذا ذنب آخر، وجرح آخر، وصدع للطريق الذي كتبه الله بين العبد وربه.

لأنّ المجاهرة ليست فقط إعلانًا للمعصية… بل إعلان حربٍ على الندم، وعلى الحياء، وعلى باب التوبة قبل أن يُفتح.


٤- في الوقفة الرابعة: “لا تُصِرّ على المعصية”

هنا دخلنا إلى أعمق منطقة في النفس.
فالإنسان لا ينهار عادةً من سقطة واحدة، بل من الاعتياد.
من التكرار الذي يُميت الحياء…
من التراكم الذي يُعتم القلب…
من تلك اللحظة المخيفة التي يفقد فيها الذنب صوته، فلا يشعر صاحبه أنه أخطأ أصلًا.

ولذلك كان الإصرار أخطر من الذنب ذاته.
فالتكرار بلا مقاومة يجعل الخطأ جزءًا من يوم الإنسان، ثم جزءًا من شخصيته، ثم جزءًا من طبيعته، حتى يظنّ أنّه لا يستطيع التغيير… بينما الحقيقة أنه لم يُحاول بصدق.

وهنا تذكّرنا أن الله لا يطلب منا العصمة، بل المجاهدة.
لا يطلب الكمال، بل العودة.
لا يطلب أن نكون بلا ذنوب، بل بلا إصرار عليها.


٥- في الوقفة الخامسة: “لا تَدعُ إلى المعصية”

وفي هذه الوقفة الأخيرة، نظرنا إلى الذنوب من زاوية أخرى…
زاوية الأثر.
فالمعصية التي تُؤذي صاحبها وحده، قد تُغفر، وقد تُستَر، وقد تُمحى.
لكن حين يتحوّل الإنسان إلى جسرٍ يمرّ عليه غيره نحو الحرام…
حين يصبح كلمةٌ منه سببًا لسقطة قلب، أو منشورًا منه سببًا لانحراف روح، أو تشجيعًا منه سببًا لدمار أحدهم…
فهذا ذنب يتشعّب، ويتفرّع، ويستمر، حتى بعد موت صاحبه.

ولذلك كان الدالّ على الشر كفاعله.
لا لأن الله يُشدّد… بل لأن أثرك لا يتوقّف.
وأجمل التوبة هنا ليست فقط أن تترك، بل أن تمنع…
أن تصحّح الطريق الذي كنت تُضلّه يومًا.


وهكذا تكتمل السلسلة…

هذه الوقفات الخمس ليست حُكمًا على الإنسان، ولا محاكمة لضعفه، بل كشفٌ لوجوه الذنب التي لا نراها.
فالإنسان يا محمد لا يخسر حين يخطئ، بل حين يستمرّ في الخطأ، أو يفرح به، أو يدعو إليه، أو يصنعه قبل أن يصنعه قلبه، أو يُطفئ آخر شعلة ندم بداخله.

والجميل في كل هذا…
أن باب الله أعظم من كل تلك الوقفات.
وأن الرحمة التي كتبها على نفسه، أوسع من كل سقطات البشر.
وأن كل خطوة نعود بها إليه، ولو كانت صغيرة… تُلغي أثر ألف خطوة ابتعدنا فيها.

التوبة ليست كلمة، وليست بكاءً، وليست لحظة انكسار فقط…
التوبة هي أن تشعر، وأن تعرف نفسك، وأن ترى خطواتك، وأن تقرر ألا تكون خصمًا لنور قلبك.


ربما لا يقرأ أحد هذه السلسلة إلا ويجد نفسه في واحدة من هذه الوقفات…
في فكرةٍ خطّط لها…
أو لحظة فرحٍ لم يكن يجب أن يفرح بها…
أو ذنبٍ لم يندم عليه كما ينبغي…
أو عادةٍ أثقلت قلبه…
أو كلمةٍ كان سببًا فيها لسقوط أحدهم.

لكن العبرة ليست في أنك وجدت نفسك هنا…
العبرة في ماذا ستفعل بعد أن تراها؟


ولأن كل رحلةٍ نحو الله لا تكتمل بلا سؤال يفتح الباب للقلب…
أترك لك هذا السؤال ليكون آخر هذه السلسلة:

“ما الشيء الذي يجب أن تتركه اليوم…
حتى تعود غدًا أقرب مما كنت إليه أمس؟”

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مدونة عَلى الفِطرَة

حيث نعودُ بالتعليم إلى صفائه الأول، إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها

دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

Culture générale

المعرفة سر النجاح

Saif AL Nuaimi

كاتب . مُحلل مالي . مُدرِب مُعتْمد

"زعترة برية🌱"

هنا تجدونني أبوح ببعض ما جال في خاطري أتقافز بين السطور بحريّة .. هاربة من قيود الواقع ✍

¤الحياة ¤

لايوجد حروف تصف الحياه

About Business Life

Real & practical advises to build and grow your business

صُبح

لو أنّ اللغة لم تعرف ضمائر الغيبة، لماتت الذاكرة جوعًا، وأعلنت الكتابة إفلاسها

نقطة عالحرف

مدونة لـ جنى نصرالله

صفحات صغيرة

أفكار في التقنية، التعليم والتبسيط يكتبها عبدالله المهيري

نجمة.

كفتاه تحارب الحياة وسلاحها القلم ، حياتنا قصه نرويها بأنفسنا ونضع من الذكريات ما نشاء فلنضع فيها ما يسرنا🌟.

حنين حاتم (كلمات مسحورة)

أهلا بكم في عالم الكلمات المسحورة