
تمهيد
ليس كل بُعدٍ عن الله سببه الكفر الصريح، ولا كل انقطاعٍ عن نور القرب يبدأ بجحودٍ معلن. أحيانًا يكون الحجاب أخطر لأنه لا يُرى، وأقسى لأنه يُلبَس لباس الإيمان. ذلك هو الشِّرك؛ الذنب الذي لا يَحجب العمل فحسب، بل يحجب القلب، ولا يُفسد الطاعة وحدها، بل يقطع أصل القرب.
الشرك ليس دائمًا صنمًا يُعبد، ولا وثنًا يُنصب، بل قد يكون نظرة تتعلّق بغير الله، أو قلبًا يتكئ على سبب وينسى المسبّب، أو خوفًا يُقدَّم على خشية الله، أو رجاءً يُعلَّق بيد بشر أكثر مما يُعلَّق بباب السماء.
معنى الشرك: حين يتقاسم القلب الولاء
الشرك في جوهره ليس مجرد اعتقاد خاطئ، بل خلل في توحيد القلب. أن تجعل لله شريكًا في ما لا يليق إلا به: في المحبة، أو التعظيم، أو الخوف، أو الرجاء. وقد يكون الشرك جليًا يُخرج من الملة، وقد يكون خفيًا يتسلل إلى أعماق النفس دون ضجيج.
قال بعض السلف: «ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص»، لأن الشرك الخفي لا يُعلن عن نفسه، بل يعيش في الزوايا المظلمة من القلب.
قصة: العابد الذي ضاع قلبه
يُحكى أن رجلًا كان كثير العبادة، طويل القيام، ظاهر الصلاح، يثني الناس عليه حيثما ذهب. ومع مرور الوقت، صار ينتظر ثناءهم أكثر مما ينتظر قبول الله، فإذا لم يُمدح حزن، وإذا ذُكر غيره غار. لم يترك صلاته، ولم ينقص من طاعته، لكنه فقد الإخلاص.
وفي ليلة، وهو قائم يصلي، خطر في قلبه سؤال موجع: لمن أصلي حقًا؟ عندها أدرك أن قلبه انقسم، وأن الشرك لم يكن في سجوده، بل في نيّته.
صور الشرك الخفي في حياتنا
الشرك الخفي لا يأتي دائمًا في صورة واضحة، بل يتخفّى في تفاصيل يومية:
- أن تعتمد على المال اعتماد المنقذ، لا اعتماد السبب.
- أن تخشى فقدان الناس أكثر من خشية فقدان رضا الله.
- أن تعمل الطاعة لأجل الصورة لا لأجل القرب.
- أن تربط طمأنينتك بوجود شخص أو وظيفة أو منصب.
قال رسول الله ﷺ: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: «الرياء».
لماذا الشرك هو الحجاب الأعظم؟
لأن الله سبحانه لا يقبل أن يُشارَك في حقه، ولا يرضى أن يُزاحم في موضع الألوهية. الشرك لا يُنقص العمل فقط، بل يُبطله، ولا يجرح الإيمان فحسب، بل يهدم أساسه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، لأنها قضية ولاء، وقضية وجهة، وقضية قلب.
اقتباسات توقظ القلب
- «ما نازع اللهَ شيءٌ في قلب عبدٍ إلا أفسده.»
- «إذا تعلّق القلب بغير الله، عُوقب بحرمان لذة القرب.»
- «الإخلاص ليس أن تعمل لله، بل أن لا ترى مع الله أحدًا.»
كيف نزيل هذا الحجاب؟
إزالة الشرك ليست كلمة تُقال، بل مسار يُعاش:
- مراجعة النية قبل العمل وأثناءه وبعده.
- تعظيم الله في القلب بمعرفة أسمائه وصفاته.
- قطع التعلّق المرضي بالأسباب دون ترك الأخذ بها.
- الإكثار من الدعاء: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم».
خاتمة
الشرك ليس دائمًا خروجًا من الدين، لكنه قد يكون خروجًا من القرب. وقد لا يحرمك الصلاة، لكنه يحرمك الطمأنينة، ولا يمنعك العبادة، لكنه يمنعك الوصول.
فالقضية ليست كم تعمل، بل لمن تعمل، ولا كم تُظهر، بل ماذا تُخفي في قلبك.
والسؤال الذي لا بد أن نواجه به أنفسنا: هل في قلبي شيءٌ لو زال لاقتربت من الله أكثر