
التوسّع في المباحات… الحجاب الصامت الذي لا ننتبه له
تمهيد
ليس كل ما يُبعد عن الله حرامًا، وليس كل حجابٍ يُنصَب في الطريق معصيةً صريحة. بعض الحُجُب لا تُثير الخوف، ولا تُحرّك الندم، لأنها ببساطة… مباحة. وهنا تكمن خطورتها. فالتوسّع في المباحات لغير حاجة حجاب صامت، لا يُخاصم الإيمان، لكنه يُثقله، ولا يُطفئ نور القلب دفعة واحدة، لكنه يُضعفه حتى يخبو.
كثيرون لا يعانون من ذنبٍ يؤرقهم، بل من انشغالٍ يستهلكهم، ولا من معصيةٍ تُخيفهم، بل من إغراقٍ في المباحات سرق منهم حضور القلب ولذّة القرب.
معنى التوسّع في المباحات: حين يأخذ المباح أكثر من حقه
المباح في أصله رحمة وسعة، لكن حين يتحوّل إلى مركز الحياة، ويستولي على الوقت والفكر والقلب، يصبح عبئًا. المشكلة ليست في الفعل، بل في الكثرة، وليست في الأصل، بل في الأثر.
قال بعض الحكماء: «ما شغلك عن الله وإن لم يكن حرامًا، فهو عليك حرام من جهة الأثر.»
قصة: قلب ممتلئ لا يتّسع
كان رجلٌ لا يُعرف عنه معصية، لكن وقته كان ممتلئًا بكل شيء إلا الله. طعامٌ زائد، نومٌ طويل، ترفيه بلا حد، حديث لا ينتهي، متابعة مستمرة لكل جديد. لم يكن مقصّرًا في الفرائض، لكنه كان غائبًا عنها.
حين حاول أن يخلو بنفسه، وجد قلبه صاخبًا، لا يهدأ، لأن الامتلاء الطويل لم يترك مساحة للسكينة. أدرك حينها أن المشكلة لم تكن فيما يفعل، بل في أنه لم يترك شيئًا لا يفعله.
لماذا يُعدّ هذا التوسّع حجابًا؟
لأنه يُميت الشوق، ويُضعف الهمّة، ويُثقِل الروح. فالقلب المزدحم لا يسمع النداء، والنفس المُدلَّلة لا تصبر على الطاعة، ومن اعتاد الإشباع الدائم يعجز عن المجاهدة.
قال بعض السلف: «كثرة المباحات تُقسّي القلب كما تُقسّيه كثرة الذنوب.»
صور شائعة للتوسّع غير المنضبط
- الإفراط في المأكل والمشرب.
- الاستغراق في الترفيه دون حدّ.
- الإكثار من الكلام بلا حاجة.
- النوم الزائد عن القدر النافع.
- الانشغال المستمر بما لا يُقرّب.
اقتباسات توقظ الغافل
- «القلب لا يجتمع فيه الامتلاء والدعاء.»
- «من لم يترك فضول المباح، حُرم صفاء القرب.»
- «الزهد ليس ترك الدنيا، بل إخراجها من القلب.»
كيف نرفع هذا الحجاب الصامت؟
- تقليل الفضول في الطعام والكلام والنظر.
- تنظيم الوقت بما يُعيد التوازن.
- إحياء الخلوة ولو بدقائق يومية.
- تعويد النفس على القصد لا الحرمان.
قال ﷺ: «ازهد في الدنيا يحبك الله».
خاتمة
التوسّع في المباحات لا يُغضب الله، لكنه قد يحرمك من محبته الخاصة. فالقرب يحتاج خفة، والروح المثقلة لا تطير.
ليس الزهد أن تترك كل شيء، بل أن لا يملكك شيء.
والسؤال الذي يُنهي السلسلة ويبدأ المراجعة:
هل امتلأت حياتي بالمباحات حتى ضاق قلبي عن الله؟