
خاتمة السلسلة: حين تُزال الحُجُب ويُفتح الطريق
لم تكن هذه السلسلة تعدادًا للذنوب، ولا تصنيفًا للناس، ولا محاولة لقياس القرب والبعد، فذلك أمره إلى الله وحده. كانت هذه السلسلة رحلة هادئة داخل القلب، بحثًا عن تلك الحُجُب التي قد تقوم بين العبد وربه دون أن يشعر، فيحسب أنه يسير، بينما هو واقف، ويظن أنه قريب، بينما قلبه محجوب.
مررنا بخمسة حُجُب، مختلفة الأسماء، متقاربة الأثر:
- الشرك حين ينقسم القلب في ولائه.
- البدع حين يُقدَّم الذوق على الاتباع.
- الكبائر حين تُجرَح هيبة الله في النفس.
- الصغائر المتكاثرة حين يقتل الاعتياد وخز الضمير.
- التوسّع في المباحات حين يزدحم القلب فلا يتّسع.
ولعل القاسم المشترك بينها جميعًا ليس الفعل ذاته، بل ما يصنعه في القلب. فالله سبحانه لا يُحجب عن عباده، ولكن القلوب هي التي تُحجب، حين يضعف التعظيم، ويغيب الإخلاص، وتفتر المراقبة.
لقد تبيّن لنا أن الخطر الحقيقي لا يكمن دائمًا في المعصية الظاهرة، بل في الغفلة الطويلة، ولا في الذنب العارض، بل في الإصرار، ولا في الخطأ، بل في تبريره. فكم من عاصٍ أقرب إلى الله من مُعجبٍ بطاعته، وكم من مكسورٍ عند باب الله أصدق حالًا من مُزدحمٍ بالأعمال فارغ القلب.
هذه السلسلة لم تُكتب لتزرع الخوف وحده، بل لتوقظ الرجاء أيضًا. فكل حجاب ذُكر، ذُكر معه طريق إزالته، وكل بُعد أُشير إليه، فُتح معه باب العودة. فالله أرحم من أن يضع حجابًا ثم لا يدلّ على رفعه، وأكرم من أن يردّ من أقبل عليه صادقًا.
إزالة الحُجب لا تحتاج قفزات كبيرة، بل صدقًا صغيرًا يتكرر. مراجعة نية، دمعة خلوة، استغفار في جوف الليل، تقليل فضول، كفّ لسان، نظر صادق في المرآة الداخلية. خطوات بسيطة، لكنها عند الله عظيمة.
ولعل أعظم ما نخرج به من هذه الرحلة: أن الطريق إلى الله ليس مزدحمًا، بل واضح، وليس معقّدًا، بل صادق. من أخلص قصده، وصحّح وجهته، وتخفّف مما أثقل قلبه، وجد الله أقرب إليه مما يظن.
وفي الختام، لا نختم بدعاءٍ محفوظ، ولا بوعظٍ طويل، بل بسؤال واحد، إن صدقنا في الإجابة عنه، تغيّر كل شيء:
ما الحجاب الذي لو أزلته اليوم… لاقتربت من الله أكثر؟