
حياءٌ يمنعك قبل أن تُمنع
الحياء من الله
الحياء من الله ليس شعورًا عابرًا، ولا حالةً عاطفية مؤقتة، بل مقامٌ عظيم من مقامات الإيمان، إذا استقر في القلب صار سورًا منيعًا يحول بين العبد وبين المعصية، دون ضجيج صراع، ولا مشقة مقاومة. فالإنسان قد يترك الذنب خوفًا من العقوبة، وقد يتركه عجزًا، لكنه لا يتركه حياءً إلا إذا كان قلبه حاضرًا مع الله.
الحياء من الله يولد من المعرفة؛ فكلما عرف العبد ربَّه أكثر، ازداد حياؤه منه. حين يعلم أنه سبحانه يراه في خلوته كما يراه في علانيته، ويسمع أنفاسه كما يسمع كلماته، ويعلم خفايا قلبه قبل ظاهر فعله. هذه المعرفة لا تُنتج رعبًا، بل تُنتج خجلًا راقيًا، يمنع العبد من أن يقابل الإحسان بالإساءة.
“استحيِ من الله على قدر قربه منك.”
إن من أعظم مظاهر ضعف الحياء أن يستحي الإنسان من الناس أكثر مما يستحي من الله؛ فيُحسن أمامهم، ويتزيّن في حضورهم، فإذا خلا بنفسه تجرّأ على ما يستحي أن يُرى عليه. ولو استقر الحياء من الله في القلب، لاستوى عند العبد السر والعلن، لأن الرقيب واحد، والنظر واحد، والاطلاع لا يغيب.
والحياء الصادق لا يمنعك فقط عند وقوع المعصية، بل يمنعك قبل التفكير فيها. يمنعك عند الخاطرة الأولى، لأنك تشعر بثقل النظر الإلهي عليك، وكأن قلبك يقول: كيف أُقدم على هذا والله يراني؟ كيف أختار ما يسخطه وقد أغدق عليّ من نعمه ما لا أستحق؟
الحياء من الله يتغذّى على استحضار النعم. فكل نعمة تستوجب حياء، وكل فضل يستدعي خجلًا. كيف يعصي العبد ربًا أطعمه من جوع، وآمنه من خوف، وستره وهو يذنب، وأمهله وهو يخطئ؟! إن أعظم ما يقتل الحياء هو النسيان، وأعظم ما يحييه هو التذكّر.
“من عصى الله بنعمه، قلَّ حياؤه منه.”
ومن الناس من يظن أن الحياء ضعف، والحقيقة أنه قوة داخلية هادئة. فالذي يستحي من الله قويٌّ بقلبه، عزيز بنفسه، لا يفرّط في كرامته الروحية بلذة عابرة. والحياء ليس عجزًا عن المعصية، بل اختيار واعٍ لتركها.
وقد كان النبي ﷺ أشدَّ الناس حياءً، ومع ذلك كان أقواهم ثباتًا، وأعظمهم أثرًا. فاجتمع له كمال الحياء وكمال القوة، ليعلّم الأمة أن الحياء لا يُنقص من الرجولة، ولا من الشجاعة، بل يزيدهما صفاءً ونبلًا.
والحياء من الله يظهر أثره في الخلوات أكثر من الجلوات. فالناس قد تضبط السلوك، لكن الله يراقب القلب. ومن لم يكن لله في قلبه هيبة، فلن تنفعه أعين الخلق مهما كثرت.
إن أخطر ما يصيب القلب هو موت الحياء؛ حين يُقدِم العبد على الذنب بلا تردد، ولا انكسار، ولا خجل. حين يفعل المعصية وكأن الله لا يراه، أو وكأن الستر إذنٌ بالتمادي. وهذا من أعظم الخذلان.
“إذا لم تستحِ من الله، فافعل ما شئت.”
والحياء لا يُستعاد بالتمنّي، بل بالمجاهدة: بكثرة الذكر، واستحضار عظمة الله، وتذكّر الوقوف بين يديه، ومحاسبة النفس قبل النوم، وسؤالها: كيف كنت اليوم مع الله؟ ماذا قدّمت؟ وماذا فرّطت؟
فإذا عاد الحياء إلى القلب، عاد معه نور الطاعة، وخفّ ثقل المجاهدة، وصار ترك المعصية عبادة في ذاته، لا حرمانًا.
سؤال المقال: هل تستحي من الله في خلوتك كما تستحي من الناس في علانيتك؟