دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

لأن للذنب ثمنًا

أن يعلم أن لكل معصية عقابًا

ليس العقاب في دين الله انتقامًا أعمى، ولا تشفيًا من ضعف البشر، بل هو مظهر من مظاهر العدل، وصورة من صور الرحمة الخفية. فالعبد إذا علم أن لكل معصية عقابًا، لم يعد ينظر إلى الذنب على أنه لحظة عابرة، بل على أنه قرار له تبعات، وخطوة لها أثر، وسلوك لا يمرّ في ميزان الله هباءً.

كثير من الناس يظنون أن العقوبة تعني فقط نار الآخرة، أو المصائب الظاهرة في الدنيا، لكن هذا فهم قاصر. فالعقوبة أوسع من ذلك، وأدق أثرًا، وقد تبدأ من حيث لا يحتسب الإنسان: في قلبه، في صدره، في علاقته بالله، وفي توفيقه للطاعة.

قد يُعاقَب العبد بحرمان دمعة في سجود، أو فقدان لذة ذكر، أو ثِقَل في الصلاة بعد أن كانت خفيفة. وقد يكون هذا الحرمان أشد من عقوبة ظاهرة، لأن القلب إذا حُرم القرب، فقد أعظم ما يُملك.

“أشد العقوبات أن يُغلَق باب الطاعة وأنت لا تشعر.”

ومن عدل الله أن العقوبة تأتي على قدر الذنب، وبالوجه الذي يصلح العبد، لا الذي يُهلكه. فقد يُؤخَّر العقاب ليكون أبلغ في التنبيه، أو ليُفتح باب التوبة قبل فوات الأوان. فالتأخير ليس إهمالًا، بل حكمة.

ومن الناس من يقع في المعصية، ثم لا يرى أثرًا مباشرًا، فيغترّ ويظن أن الأمر هيّن، وأن الله قد تجاوز. وهذا من أخطر أبواب الخداع؛ لأن الذنب إذا لم يُواجَه بعقوبة تُوقظه، قد يتحول إلى عادة، والعادة إلى إدمان، والإدمان إلى هلاك بعيد المدى.

العقوبة قد تكون في تسليط النفس على صاحبها، فلا يشبع، ولا يرضى، ولا يستقر. وقد تكون في اضطراب داخلي لا تفسير له، أو ضيقٍ يلازمه رغم وفرة الأسباب. وكل ذلك رسائل، لكن من لا يفهم لغة الرسائل، ينتظر الصدمة.

“من لم يتأدب بالألطاف، أُدّب بالقواطع.”

ومن تمام العدل الإلهي أن العقوبة لا تُنزل إلا بعد قيام الحجة. فالله يُنذر قبل أن يُعاقب، ويُمهل قبل أن يأخذ، ويُذكّر قبل أن يُحاسب. فمن رأى في حياته تنبيهًا متكررًا، أو قلقًا مستمرًا بعد ذنب، فليعلم أن الله يخاطبه، لا ينتقم منه.

وقد تكون العقوبة في الدنيا رحمة، لأنها تُخفّف حساب الآخرة. فكم من بلاء ردّ عبدًا إلى الله، وكم من ألم أنقذ قلبًا من هلاك أعظم. ولو كُشف الغطاء، لعلم العبد أن ما ظنه عقوبة كان في حقيقته إنقاذًا.

“قد يؤلمك الدواء، لكنه يمنع الهلاك.”

والخطر الحقيقي ليس في العقوبة، بل في الأمن منها. فمن أمن العقوبة، تجرّأ على الذنب، ومن تجرّأ على الذنب، استهان بنظر الله، ومن استهان، قسا قلبه. وهنا تبدأ السلسلة الأخطر.

إن معرفة أن لكل معصية عقابًا تُربّي في القلب ميزانًا دقيقًا. فلا يُقدِم العبد على الذنب بلا حساب، ولا يستخفّ بما يراه صغيرًا. لأن الصغائر إذا استُصغرت، صارت كبائر في ميزان القلوب.

ومن رحمة الله أن باب التوبة مفتوح، وأن العقوبة ليست قدرًا محتومًا، بل طريقًا يمكن تغييره بالرجوع الصادق. فالله لا يعاقب ليستمتع بالعقاب، بل ليُصلِح، فإذا صلح العبد، رُفع البلاء، وخُفّف الأثر، وعادت الرحمة.

“ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفع إلا بتوبة.”

وحين يستقر هذا المعنى في القلب، يصبح رادعًا رحيمًا. لا يُولّد يأسًا، ولا خوفًا مُهلِكًا، بل وعيًا ومسؤولية. فيختار العبد الطاعة، لا لأنه مُجبر، بل لأنه لا يريد أن يدفع ثمنًا يعلم ثقله.

فالعاقل من حسب العاقبة قبل الخطوة، والمؤمن من علم أن الله عدل لا يُهمل، رحيم لا يُهلك، حكيم لا يضع شيئًا في غير موضعه.

سؤال المقال: هل تفكّر في عاقبة الذنب كما تفكّر في لذته ؟

رأي واحد حول “:. لأن للذنب ثمنًا ..:

  1. ما قرأت عن الذنب و عقوبته من قبل كما قرأته من عنذك، جعل الله هذه التدوينة دخرا لك، و ما أحوج المؤمن إلى ذكرى توقظه من غفلته، و تطرق عليه أبواب التوبة.
    جزاك الله خيرا

    إعجاب

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مدونة عَلى الفِطرَة

حيث نعودُ بالتعليم إلى صفائه الأول، إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها

دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

Culture générale

المعرفة سر النجاح

Saif AL Nuaimi

كاتب . مُحلل مالي . مُدرِب مُعتْمد

"زعترة برية🌱"

هنا تجدونني أبوح ببعض ما جال في خاطري أتقافز بين السطور بحريّة .. هاربة من قيود الواقع ✍

¤الحياة ¤

لايوجد حروف تصف الحياه

About Business Life

Real & practical advises to build and grow your business

صُبح

لو أنّ اللغة لم تعرف ضمائر الغيبة، لماتت الذاكرة جوعًا، وأعلنت الكتابة إفلاسها

نقطة عالحرف

مدونة لـ جنى نصرالله

صفحات صغيرة

أفكار في التقنية، التعليم والتبسيط يكتبها عبدالله المهيري

نجمة.

كفتاه تحارب الحياة وسلاحها القلم ، حياتنا قصه نرويها بأنفسنا ونضع من الذكريات ما نشاء فلنضع فيها ما يسرنا🌟.

حنين حاتم (كلمات مسحورة)

أهلا بكم في عالم الكلمات المسحورة