دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

ليست المعصية حادثةً طارئة في حياة الإنسان، بل هي نتيجة مسار داخلي طويل، يبدأ من فكرةٍ لم تُقاوَم، ويمرّ بقلبٍ غفل، وينتهي بخطوةٍ وُضِعت في غير موضعها. ولذلك لم تكن هذه السلسلة حديثًا عن الذنب بقدر ما كانت حديثًا عن القلب؛ عن البوصلة التي إذا استقامت استقامت الخطوات، وإذا انحرفت تتابعت العثرات.

لقد حاولت هذه المقالات الخمس أن تعيد الإنسان إلى نقطة البدء، إلى السؤال الذي يسبق كل سقوط: كيف أرى المعصية؟ وكيف أرى الله؟ وكيف أرى نفسي في هذه العلاقة؟ لأن الذنب لا يكبر فجأة، وإنما يكبر حين يصغر في العين، وحين يُعتاد في القلب، وحين يُبرَّر في العقل.

في أول الطريق، وقفنا مع قُبح المعصية ودناءتها، لا بوصفها حكمًا شرعيًا مجردًا، بل بوصفها إسقاطًا للكرامة، وخسارةً لمقام العبودية. فالمعصية لا تسرق الطاعة فقط، بل تسرق من الإنسان نظرته لنفسه، وتجعله يرضى بالدون وهو خُلق للعالي.

ثم انتقلنا إلى الحياء من الله، ذلك الحارس الصامت الذي إذا استيقظ في القلب أغلق أبوابًا كثيرة دون ضجيج. فالحياء ليس خوفًا مشلولًا، بل معرفة حيّة، تستحي أن تقابل الإحسان بالإساءة، والستر بالجرأة، والنعم بالجحود.

وتأملنا بعد ذلك في النعم، لا بوصفها مكتسبات دنيوية، بل أمانات إلهية. فليس كل من يملك آمن، وليس كل من عاش في سعة محفوظ. النعمة تعيش في بيئة الطاعة، وتذبل في مناخ المعصية، وقد تبقى صورتها وتغيب روحها، وذلك أخطر أنواع الزوال.

ثم وقفنا مع حقيقة العقوبة، لا كفزاعة تُرعب، بل كميزان يُنصف. فالله لا يعاقب تشفّيًا، ولا يؤدّب عباده قسوة، وإنما يعالج الخلل قبل أن يستفحل. وأحيانًا يكون الألم رسالة رحمة، ويكون المنع عين العطاء.

وأخيرًا، جاء قصر الأمل ليجمع الخيوط كلها. فطول الأمل هو المظلّة التي تنمو تحتها المعاصي، وقصر الأمل هو الضوء الذي يكشف حقيقتها. حين يعلم الإنسان أن الوقت محدود، تصبح الطاعة فرصة، ويصبح الذنب مغامرة خاسرة.

إن هذه المعاني الخمسة ليست نظريات تُقرأ، بل حقائق تُعاش. وهي لا تعمل منفردة، بل تتكامل. فمن عرف قبح المعصية، واستحيا من الله، وخاف على نعمته، وعلم عاقبة ذنبه، وقصُر أمله، وجد نفسه يبتعد عن المعصية دون أن يشعر أنه يُحرَم، بل يشعر أنه يُنقَذ.

ولعل أعظم ما نرجوه من هذه السلسلة ألا تجعل القارئ يقول: أنا مذنب، بل أن تجعله يقول: أنا عبد. عبدٌ يرى أن علاقته بربه أثمن من لذة، وأبقى من شهوة، وأعزّ من نزوة. عبدٌ لا يدّعي الكمال، لكنه لا يبرّر السقوط.

فالتوبة في حقيقتها ليست عودة بعد الذنب فقط، بل وعي قبل الذنب. والنجاة ليست في كثرة المجاهدة وحدها، بل في سلامة البصيرة. فمن رأى الطريق بوضوح، قلّت عثراته، ومن عرف قدر نفسه عند الله، استحيا أن يضعها في موضع الهوان.

إن الله لا يريد من عباده أن يكونوا ملائكة، لكنه يريد قلوبًا حيّة، إذا زلّت رجعت، وإذا أخطأت استغفرت، وإذا عرفت الحقيقة لم تُصرّ على الوهم. يريد عبيدًا يعرفون أن بابه مفتوح، لكن حدوده محفوظة، وأن رحمته واسعة، لكن سننه لا تُعطَّل.

فإن وجدت في هذه الكلمات ما أيقظ قلبك، فذلك فضل من الله. وإن وجدت فيها ما واجهك بحقيقةٍ حاولت أن تؤجلها، فذلك لطف من الله. وليس المطلوب بعد هذه السلسلة أن تتغيّر حياتك كلها دفعة واحدة، بل أن تتغيّر خطوة واحدة، كانت كفيلة بأن تجرّك إلى ما بعدها.

ابدأ بما تستطيع، واترك ما تعلم أنه لا يليق، وراقب قلبك قبل جوارحك، واعلم أن الطريق إلى الله لا يُقاس بسرعة السير، بل بصدق الاتجاه.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الكبرى: أن المعصية مهما زُيّنت، لا تُشبه السلام، وأن الطاعة مهما ثقلت، لا تُشبه الندم. ومن اختار السلام مع الله، كفاه الله ما دونه.

فهل نخرج من هذه السلسلة بقراءة جميلة فقط، أم بخطوة صادقة تُكتب لنا عند الله؟

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مدونة عَلى الفِطرَة

حيث نعودُ بالتعليم إلى صفائه الأول، إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها

دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

Culture générale

المعرفة سر النجاح

Saif AL Nuaimi

كاتب . مُحلل مالي . مُدرِب مُعتْمد

"زعترة برية🌱"

هنا تجدونني أبوح ببعض ما جال في خاطري أتقافز بين السطور بحريّة .. هاربة من قيود الواقع ✍

¤الحياة ¤

لايوجد حروف تصف الحياه

About Business Life

Real & practical advises to build and grow your business

صُبح

لو أنّ اللغة لم تعرف ضمائر الغيبة، لماتت الذاكرة جوعًا، وأعلنت الكتابة إفلاسها

نقطة عالحرف

مدونة لـ جنى نصرالله

صفحات صغيرة

أفكار في التقنية، التعليم والتبسيط يكتبها عبدالله المهيري

نجمة.

كفتاه تحارب الحياة وسلاحها القلم ، حياتنا قصه نرويها بأنفسنا ونضع من الذكريات ما نشاء فلنضع فيها ما يسرنا🌟.

حنين حاتم (كلمات مسحورة)

أهلا بكم في عالم الكلمات المسحورة