
ليس الحرمان دائماً في ضيق الرزق، ولا الخذلان في قلة الحيلة، بل قد يكون الإنسان غارقاً في النعم، واسع الأسباب، قريباً من أبواب الخير، ومع ذلك يشعر أن باب التوفيق موصد في وجهه؛ كلما همَّ بخير تعثّر، وكلما قصد سبيلاً انغلق، وكلما ظن أنه اقترب إذا به يبتعد أكثر. وهنا يبرز السؤال المؤلم: لماذا يُحرم بعض الناس التوفيق مع أن الطريق ظاهر، والحق واضح، والوسائل متاحة؟
هذه السلسلة ليست خطاب اتهام، ولا محاكمة للنيات، بل محاولة صادقة لقرع أبواب الوعي، والتنبيه إلى آفات خفية قد لا ينتبه لها الإنسان وهو يظن أنه على خير. فكم من مانعٍ للتوفيق لا يأتي في صورة معصيةٍ فجة، بل يتسلل في هيئة عادة مألوفة، أو فهمٍ ناقص، أو اطمئنانٍ مخادع. وكم من بابٍ أُغلق لا لعجزٍ في القدر، بل لغفلةٍ في القلب.
إن التوفيق هبة، لكنه هبة لها سنن. والله – جل وعلا – لا يحابي أحداً، ولا يمنح عطاياه جزافاً، بل يفتح على من صدق معه، واستقام على أمره، وأحسن الجمع بين العلم والعمل، وبين الخوف والرجاء، وبين نعمة الدنيا ومسؤوليتها. فإذا اختل هذا التوازن، بدأ الحرمان يتسلل، لا دفعةً واحدة، بل على مهل؛ في صورة فتور، ثم تعثّر، ثم إعراض، حتى يألف القلب الإغلاق ويظنه قدَراً لا فكاك منه.
في هذه المقالات الخمسة نقف عند خمس علل كبرى، تتكرر في حياة الأفراد والمجتمعات، وتشترك في نتيجة واحدة: إغلاق باب التوفيق. علل لا تتعلق بقلة الذكاء، ولا بندرة الفرص، ولا بسوء الحظ، بل بأمراضٍ في الفهم والسلوك. نكتب عنها لا لنتشفى، بل لنتدارك، ولا لنيأس، بل لنوقظ في النفوس أمل الرجوع قبل أن يشتد الإغلاق.
سنقترب من هذه القضايا اقتراب من يعرف ضعف الإنسان، ويؤمن بسعة رحمة الله، ويوقن أن باب التوفيق وإن أُغلق بالذنوب، فإنه يُفتح بالصدق. سنستحضر أقوال الحكماء، وإشارات العلماء، ولمحات من النصوص، لا بوصفها زخرفاً لغوياً، بل مرايا يرى القارئ فيها نفسه إن أراد الصدق.
هذه السلسلة موجَّهة لكل من سأل نفسه يوماً: لماذا لا أُوفَّق؟ لكل من يشعر أن بركة العمر تتناقص، وأن الجهد لا يثمر كما ينبغي، وأن النيات الحسنة وحدها لم تعد كافية. وهي في الوقت ذاته رسالة رجاء: ما دام القلب حياً، فباب التوفيق لم يُغلق نهائياً.
نكتب لنوقظ السؤال قبل أن نبحث عن الجواب، فالسؤال الصادق بداية الهداية، وأول مفاتيح التوفيق.