
ليست النعمة دائماً طريقاً إلى الله، كما يتوهم كثيرون، بل قد تكون – إذا أسيء التعامل معها – حجاباً كثيفاً يحول بين القلب وبين التوفيق. فالنعمة في حقيقتها اختبار، إما أن ترفع صاحبها بالشكر، أو تُسقطه بالغفلة. وقديماً قيل: “كم من مستدرَجٍ بالإحسان إليه، وكم من مفتونٍ بالستر عليه”.
حين تتتابع النعم، يعتادها الإنسان سريعاً، فتتحول من مننٍ تستوجب الشكر، إلى مكتسبات يراها حقاً مكتسباً لا فضل فيه لأحد. وهنا يبدأ الخلل الأول: سقوط النعمة من عين القلب، لا من اليد. فاليد ما زالت تقبض، لكن القلب لم يعد يشعر، وإذا لم يشعر لم يشكر، وإذا لم يشكر تعرّض للحرمان دون أن يدري.
الشكر ليس كلمة تُقال، ولا عبارة تُكتب في لحظة امتنان عابرة، بل هو وعي دائم بأن ما بك من نعمة فمن الله، واستعمال واعٍ لهذه النعمة فيما يرضيه. قال بعض السلف: “الشكر أن لا تُستعمل النعمة في معصية المنعِم”. فكم من ألسنة تلهج بالحمد، وأفعال تنقضه في الخفاء والعلن.
يشتغل الناس بالنعمة عن شكرها حين تشغلهم بزخرفها، وتستغرقهم في المحافظة عليها أكثر من المحافظة على قلوبهم. فيخافون على المال من النقص، ولا يخافون على الشكر من الضياع. يقلقون من زوال الجاه، ولا يقلقون من زوال البركة. وهنا تتبدل الأولويات؛ تصبح النعمة مقصودة لذاتها، لا جسراً إلى مرضاة الله.
ومن أخطر صور الاشتغال بالنعمة: أن تُنسِي صاحبها حاله قبلها. ينسى ضعفه، واحتياجه، وتضرعه، وسجوده الطويل حين كان يرجو الفرج. فإذا فُتح عليه، تغيّر خطابه مع الله؛ قل الدعاء، وندر البكاء، وخفّ التعلق، وكأن النعمة أغنته عن مولاه، مع أنها في الأصل جاءت لتقربه لا لتبعده.
وقد نبّه القرآن إلى هذا المعنى تحذيراً لا قصصاً للتسلية: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾. فالاستغناء وهم، لكنه وهم قاتل، يجعل الإنسان يرى النعمة دليلاً على الرضا المطلق، لا اختباراً دقيقاً للمواقف والقلوب.
ثم تأتي مرحلة أخفى وأشد: حين تتحول النعمة إلى أداة للمقارنة والتفاخر. فيقيس الإنسان نفسه بالناس لا بالحق، وبالمظاهر لا بالقيم، وبالكم لا بالبركة. وهنا لا يعود الشكر حاضراً، لأن القلب مشغول بالنظر إلى ما في أيدي الآخرين، لا بما في يده هو من فضل الله.
ولعل أخطر ما في هذا الباب أن صاحب النعمة إذا غفل عن شكرها، لا تُسلب منه فجأة، بل يُترك فيها مع قسوة القلب. فيبقى المال، وتبقى الصحة، ويبقى الجاه، لكن يُرفع التوفيق. يعمل كثيراً فلا يثمر، ويجتهد فلا يبارك له، ويفتح أبواباً فلا تستقر. وذلك أشد أنواع الحرمان؛ أن تُعطى وتُمنع في آنٍ واحد.
قال الحسن البصري: “إن الله ليمتع بالنعمة ما شاء، فإذا لم يُشكر عليها قلبها نقمة”. والنقمة هنا لا تعني بالضرورة الفقد، بل قد تكون فقد المعنى، وضيق الصدر، واضطراب القلب، وهي عقوبات لا يلتفت إليها كثيرون.
إن شكر النعمة يحتاج إلى يقظة قلب قبل حركة لسان. يحتاج إلى تواضع لا يذوب مع الرفاه، وإلى خوف لا يزول مع السعة، وإلى استحضار دائم أن دوام النعمة مرهون بدوام الشكر. فليس كل من مُنح وُفِّق، ولا كل من فُتح له أُحسن إليه.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي لا مفر منه: هل نحن شاكرون حقاً على ما بأيدينا، أم أن النعم شغلتنا عن شكر مُنعمها حتى أُغلق باب التوفيق دون أن نشعر؟