دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

يعرفون الطريق… ولا يسلكونه

ليس الجهل دائماً سبب الضلال، كما أن المعرفة ليست بالضرورة طريق النجاة. فكم من إنسان يعرف الحق معرفة واضحة، ويستطيع أن يحدده بعبارات دقيقة، بل وربما دلّ عليه غيره، لكنه حين يُدعى إلى السير، تثاقل وتراجع، وكأن العلم صار حجة عليه لا له. وهنا تتجلى واحدة من أخطر علل الحرمان: رغبة في العلم، مع تركٍ للعمل.

العلم في أصله نور، لكنه إذا لم يتحول إلى سلوك صار عبئاً ثقيلاً على القلب. قال بعض السلف: “العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل”. فالعلم الذي لا يُثمر عملاً لا يستقر، بل يتحول مع الوقت إلى قسوة، وإلى شعور خفي بالاكتفاء، وكأن مجرد المعرفة تعفي من الالتزام.

يرغب كثيرون في العلم لأنه يمنحهم مكانة، أو شعوراً بالتفوّق، أو قدرة على الحديث والنقاش. لكنهم لا يرغبون في العمل لأنه يكلّفهم مجاهدة النفس، وكسر العادات، وتحمل تبعات الاختيار. فيختارون لذة الفهم، ويهربون من مشقة التطبيق. وهكذا ينشأ انفصام صامت بين ما يُقال وما يُفعل.

ومن أخطر ما في هذا الباب أن صاحب العلم غير العامل يعتاد التسويف باسم الاستعداد. يقول: سأعمل حين أكتمل، وسألتزم حين أطمئن، وسأبدأ حين تتضح الصورة. لكنه لا يدرك أن الصورة لا تتضح إلا بالسير، وأن اليقين لا يكتمل إلا بالخطوة الأولى. فالعمل هو الذي يفتح أبواب الفهم، لا العكس دائماً.

وقد نبّه القرآن إلى هذا الخلل حين ذمّ من يحمل العلم دون أن ينتفع به، فشبّههم بمن يحمل كتباً لا يعقلها. ليس في التشبيه قسوة، بل تحذير: العلم إذا لم يتحول إلى حياة، فقد معناه، وصار مجرد حملٍ ثقيل.

ويزداد الأمر خطورة حين يتحول العلم إلى وسيلة للجدل لا للهداية. فينفق الإنسان عمره في النقاش، وتتبع الأخطاء، وتصنيف الناس، بينما يضيع عليه إصلاح قلبه وسلوكه. وهنا يُغلق باب التوفيق؛ لأن الله لا يفتح لمن جعل العلم سلّماً للعلو لا جسراً للعبودية.

قال الفضيل بن عياض: “أشد الناس حسرة يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه”. حسرة لا لأن العلم ضاع، بل لأن الحجة قامت، والطريق عُرف، والقدرة وُجدت، ثم كان الإعراض.

إن العمل لا يشترط الكمال، بل الصدق. ولا ينتظر صفاء النفس، بل يصنعه. وكل خطوة صادقة في طريق العمل، ولو كانت صغيرة، تفتح باباً من التوفيق لا يفتحه بحر من المعلومات. ولذلك كان السلف يكرهون كثرة السؤال مع قلة العمل، لأنهم أدركوا أن القلب إذا لم يتحرك، تعطلت أنواره.

وحين يُحرم الإنسان التوفيق بسبب هذا الخلل، لا يُحرم فجأة من العلم، بل يُحرم من أثره. يبقى يحفظ، ويقرأ، ويسمع، لكن بلا حياة، وبلا تحول، وبلا بركة. وذلك من أشد أنواع الحرمان.

وفي النهاية، لا يبقى السؤال موجهاً للعقل وحده، بل للقلب والإرادة: ما قيمة أن نعرف الطريق إن كنا لا نملك شجاعة السير فيه؟

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مدونة عَلى الفِطرَة

حيث نعودُ بالتعليم إلى صفائه الأول، إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها

دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

Culture générale

المعرفة سر النجاح

Saif AL Nuaimi

كاتب . مُحلل مالي . مُدرِب مُعتْمد

"زعترة برية🌱"

هنا تجدونني أبوح ببعض ما جال في خاطري أتقافز بين السطور بحريّة .. هاربة من قيود الواقع ✍

¤الحياة ¤

لايوجد حروف تصف الحياه

About Business Life

Real & practical advises to build and grow your business

صُبح

لو أنّ اللغة لم تعرف ضمائر الغيبة، لماتت الذاكرة جوعًا، وأعلنت الكتابة إفلاسها

نقطة عالحرف

مدونة لـ جنى نصرالله

صفحات صغيرة

أفكار في التقنية، التعليم والتبسيط يكتبها عبدالله المهيري

نجمة.

كفتاه تحارب الحياة وسلاحها القلم ، حياتنا قصه نرويها بأنفسنا ونضع من الذكريات ما نشاء فلنضع فيها ما يسرنا🌟.

حنين حاتم (كلمات مسحورة)

أهلا بكم في عالم الكلمات المسحورة