
يُدبرون عمّا يُقبل عليهم
من أعجب اختلالات القلوب أن يُدبر الإنسان عمّا يحتاجه حقًا، ويُقبل بكل شغفه على ما لا يدوم له. أن تركض الدنيا خلفه فينشغل عنها بالقلق والخوف، بينما تُقبل الآخرة بندائها الهادئ فيُعرض عنها بالتسويف والانشغال. وهنا يبلغ إغلاق باب التوفيق ذروته؛ حين تنقلب البوصلة، وتضيع الأولويات.
الدنيا لم تُذم لذاتها، وإنما ذُمّ التعلّق المرضي بها. فهي دار ممر لا مقر، ووسيلة لا غاية. لكن الإنسان حين يجعلها الغاية القصوى، يبدأ في مطاردتها بلهفة، لا لأنها ضرورة، بل لأنها صارت مقياس القيمة والنجاح. ومع كل خطوة في هذا المسار، يبتعد عن المعنى، ويقترب من الفراغ.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “الدنيا مُقبلة على قوم، ومُدبرة عن آخرين، ولكلٍّ بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا”. فالمشكلة ليست في إقبال الدنيا أو إدبارها، بل في موقع القلب منها حين تُقبل وحين تُدبر.
ومن صور هذا الخلل أن الإنسان إذا أُعطي من الدنيا، ظن أن ذلك دليل رضا، فانشغل بها أكثر، وإذا حُرم، ازداد لهثه خلفها. وفي الحالتين، يغيب الميزان الحقيقي: ماذا صنعت هذه الدنيا بقلبك؟ هل قربتك أم أبعدتك؟ هل أعانتك أم استعبدتْك؟
وفي المقابل، تُقبل الآخرة على الإنسان في كل لحظة؛ في موعظة تُسمع، أو ابتلاء يُوقظ، أو موقف يُذكّر، أو عمرٍ ينقص. لكنها إقبال هادئ، لا يفرض نفسه بالقوة، بل ينتظر من القلب التفاتة صادقة. غير أن كثيرين يعرضون عنها لا جحودًا، بل انشغالًا، ولا رفضًا، بل تأجيلًا.
قال بعض السلف: “ما رأيت يقينًا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من يقين الناس بالموت”. الجميع يعلم أن الآخرة حق، لكن القليل من يعيش لها. لأن الإعراض عنها لا يكون بالإنكار، بل بالغفلة.
وحين يستمر هذا الإعراض، يُعاقَب القلب بحرمان التوفيق. فلا يبارك له في دنياه التي لاحقها، ولا يُفتح له في آخرته التي أعرض عنها. فيبقى بين بين: لا شبع دنيوي، ولا طمأنينة أخروية. وذلك من أشد أنواع الخسارة.
إن التوازن الذي جاء به الدين ليس دعوة لترك الدنيا، بل لتحرير القلب منها. أن تأخذ منها بيدك، لا بقلبك، وأن تجعلها في خدمتك لا في قيادتك. فإذا اختل هذا الميزان، أُغلق باب التوفيق، لأن القلب لا يحتمل ولاءين متناقضين.
وفي نهاية هذا المسار، يفرض السؤال نفسه بصدق موجع: كيف نطلب التوفيق، ونحن نُعرض عمّا أقبل علينا، ونتبع ما لا يثبت ولا يبقى؟