
صحبة الصالحين… بلا اقتداء
قد يظن بعض الناس أن مجرد القرب من الصالحين كافٍ للنجاة، وأن الجلوس في مجالس الخير، وسماع المواعظ، ومرافقة الأخيار، يمنح القلب حصانة تلقائية من الانحراف والحرمان. لكن هذا الظن – مع حسن نيته – قد يكون من أخطر الأوهام التي تُغلق باب التوفيق من حيث لا يشعر صاحبها.
فالصُّحبة في حقيقتها وسيلة لا غاية، وجسر لا مسكن. وما لم تتحول إلى اقتداء عملي، وتأثر سلوكي، ومجاهدة داخلية، فإنها تبقى علاقة شكلية لا تُغيّر المصير. قال بعض الحكماء: “من جالس الصالحين ولم يعمل بعملهم، كان كالمريض يجالس الأصحاء ولا يتداوى”.
إن الاغترار بصحبة الصالحين يبدأ حين يشعر الإنسان بالأمان الزائف؛ أمان أنه بخير ما دام في الدائرة الصحيحة، أو ينتمي إلى البيئة الصالحة، أو يُحاط بالناصحين. فيطمئن قبل أن يتغير، ويهدأ قبل أن يستقيم، ويحسب أن القرب المكاني يُغني عن القرب القلبي.
وقد نبّه القرآن إلى هذا المعنى حين حكى عن أقوام عاشوا بين الأنبياء والصالحين، ولم تنفعهم صحبتهم؛ لأن القلوب لم تتحرك، والإرادة لم تتغير. فالمشكلة لم تكن في غياب القدوة، بل في غياب الاقتداء.
ومن أخطر مظاهر هذا الاغترار أن الإنسان قد يستحي من مخالفة الصالحين علنًا، لكنه لا يجد حرجًا في مخالفتهم سرًّا. فيتشكل لديه ازدواج خفي: صورة مستقيمة أمام الناس، وحياة أخرى بعيدة عن قيمهم حين يغيب الرقيب البشري. وهنا تُصاب النية بالخلل، ويُغلق باب التوفيق؛ لأن الله لا يُصلح ظاهرًا يخالف باطنًا.
وقد يتحول حضور مجالس الخير إلى عادة اجتماعية لا أثر لها في السلوك. يسمع الإنسان الموعظة ذاتها، ويتأثر لحظتها، ثم يعود كما كان. ومع التكرار، يضعف التأثر، وتقل الرهبة، ويصير سماع الحق بلا عمل عليه نوعًا من القسوة المستترة.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: “من كان مستنًّا فليستنّ بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة”. والاستنان هنا ليس في الأقوال ولا في الشعارات، بل في الأفعال، وفي طريقة التعامل مع النفس، ومع الذنب، ومع الدنيا.
إن صحبة الصالحين نعمة عظيمة، لكنها مسؤولية كذلك. فمن جالس أهل الصدق ولم يصدق، وأهل الورع ولم يتورع، وأهل الخشية ولم يخشَ، كان قريبًا في الصورة، بعيدًا في الحقيقة. وقد يكون هذا القرب الصوري حجابًا عن مراجعة النفس، لأنه يبعث شعورًا مضللًا بالاكتفاء.
ولذلك، قد يُحرم الإنسان التوفيق لا لأنه بعيد عن الصالحين، بل لأنه قريب منهم دون أن يتغير. فيُسلب أثر الصحبة، وتبقى الأسماء والوجوه، ويغيب التحول الحقيقي.
وفي ختام هذا الباب، يبرز السؤال الذي يكشف حقيقة العلاقة: هل قربنا من الصالحين يقودنا إلى الاقتداء بأفعالهم، أم نكتفي بالصحبة ونؤجل التغيير حتى يُغلق باب التوفيق؟