
حين يُغلق الباب… وكيف يُطرق من جديد
ليست هذه السلسلة سردًا لأخطاءٍ متفرقة، ولا تجميعًا لوعظٍ تقليدي يُقال ثم يُنسى، بل هي محاولة لرسم خريطة دقيقة لأسباب خفية يتعثر عندها الإنسان وهو يظن أنه يسير في الطريق الصحيح. خمسة أبواب أُغلقت، لا لأن الطريق اختفى، بل لأن القلوب غفلت عن مفاتيحه. خمسة مواضع إن اختلّت، اختل معها ميزان التوفيق، ولو كثرت الأعمال وتنوّعت النيات.
في المقال الأول، وقفنا عند النعمة حين تتحول من وسيلة شكر إلى سبب غفلة. فالنعمة إذا لم تُربَط بالشكر، انقلبت على صاحبها، لا بالزوال دائمًا، بل بذهاب البركة. رأينا كيف ينشغل الإنسان بما أُعطي عن مَن أعطى، فيطمئن للعطاء ويغفل عن المسؤولية. وحين يغيب الشكر القلبي والسلوكي، يبدأ باب التوفيق في الانغلاق بصمت، ويستمر الإنسان في الحياة وهو لا يدري أن ما بين يديه صار اختبارًا لم يُحسن اجتيازه.
ثم انتقلنا إلى خللٍ آخر لا يقل خطورة: العلم حين ينفصل عن العمل. المعرفة وحدها لا تُنجي، بل قد تكون حجة على صاحبها إن لم تتحول إلى سلوك. في هذا الموضع، يتوه كثيرون؛ يكثرون من الفهم، ويُحسنون الحديث، لكن خطواتهم في الواقع قليلة ومترددة. ومع الوقت، يبهت نور العلم، وتثقل التكاليف، ويُحرم القلب لذة التطبيق، فيُغلق باب التوفيق لأنه لا يُفتح لمن اكتفى بالدلالة دون السير.
وجاء المقال الثالث ليكشف عن داءٍ شائع، لكنه شديد الأثر: المسارعة إلى الذنب وتأخير التوبة. هنا لا يكون الحرمان بسبب الجهل، بل بسبب التسويف. ذنب يُرتكب بجرأة، وتوبة تُؤجَّل بأملٍ كاذب. ومع تكرار هذا السلوك، يفقد القلب حساسيته، ويعتاد المخالفة، ويثقل عليه الرجوع. فيُغلق باب التوفيق لا لأن الرحمة ضاقت، بل لأن القلب أصرّ على التأجيل.
أما المقال الرابع، فتناول وهمًا ناعمًا يتسلل إلى النفوس الصالحة: الاغترار بصحبة الصالحين دون الاقتداء بأفعالهم. فالقرب الشكلي لا يُغني عن التحول الحقيقي، ومجالسة الأخيار لا تُثمر ما لم تُترجم إلى سلوك. وحين يطمئن الإنسان لصحبته دون أن يراجع نفسه، يتحول القرب إلى حجاب، وتُسلب بركة الصحبة، ويُغلق باب التوفيق لأنه بُني على صورة لا على حقيقة.
وفي المقال الخامس، بلغ الخلل ذروته بانقلاب الأولويات: دنيا يُتبع أثرها، وآخرة يُعرض عنها. ليس إنكارًا للآخرة، بل غفلة عنها. ليس رفضًا صريحًا، بل انشغال دائم. وهنا يعيش الإنسان حالة التمزق؛ فلا يشبع من الدنيا التي لاحقها، ولا يطمئن للآخرة التي أهملها. فيُحرم التوفيق في الاثنين معًا، لأن القلب لا يحتمل ولاءين متناقضين.
هذه الخمسة، على اختلاف صورها، تلتقي عند معنى واحد: غياب اليقظة القلبية. فالتوفيق لا يُسلب دفعة واحدة، بل يُنتزع على مراحل؛ غفلة صغيرة، ثم تسويف، ثم اعتياد، حتى يصبح الإغلاق هو الحالة الطبيعية. ومع ذلك، فإن أعظم ما في هذا الباب أن الرجوع ممكن، لأن الإغلاق لم يكن قهرًا، بل اختيارًا، وما كان بالاختيار يُرفع بالاختيار.
إن فتح باب التوفيق لا يحتاج إلى انقلاب كامل في الحياة، بقدر ما يحتاج إلى صدق في المراجعة. أن يرى الإنسان موضع الخلل دون تبرير، وأن يعترف قبل أن يُكابر، وأن يبدأ بخطوة عملية ولو صغيرة. فالشكر يُعاد بإحياء القلب، والعلم يُنقذ بالعمل، والتوبة تُفتح بالعجلة إليها، والصحبة تُبارك بالاقتداء، والدنيا تُستعاد حين توضع في حجمها الصحيح.
هذه السلسلة لم تُكتب لتدين، بل لتُنقذ، ولم تُسطَّر لتُغلق القلوب، بل لتوقظها. فمن وجد نفسه في موضعٍ من هذه المواضع، فذلك فضل؛ لأن رؤية الداء أول طريق الدواء. وما دام القلب ما زال يسأل، فباب التوفيق لم يُغلق نهائيًا.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يختصر كل ما سبق، ويستدعي الصدق كله: أيُّ بابٍ من أبواب التوفيق أُغلق في حياتنا، ومتى نملك شجاعة طرقه بقلوبٍ صادقة قبل أن نعتاد الإغلاق؟