دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

العلم بكلمة التوحيد

العلم هو أول الطريق، وأصل الأصول، وبدايته التي لا تصحّ الخطوات بعدها إلا به. فما من عبادةٍ تُقبل، ولا من إيمانٍ يستقر، ولا من توحيدٍ يثمر أثره، إلا إذا قام على علمٍ صحيح وبصيرةٍ نافذة. فالتوحيد الذي أراده الله من عباده لم يكن لفظًا يُقال على العادة، ولا شعارًا يُرفع في المناسبات، وإنما حقيقة تُدرك، ومعنى يُفهم، ويقينٌ يُبنى على أساسٍ متين من المعرفة.

ومن هنا كان العلم بكلمة التوحيد شرطًا لازمًا للانتفاع بها؛ إذ لا يُتصوَّر إيمان بلا معرفة، ولا عبادة بلا فهم، ولا استقامة بلا وعي. فكيف يستقيم من لا يدري ما يقول؟ وكيف يثبت من يجهل حقيقة ما يعتقد؟ إن العلم هو النور الذي يكشف الطريق، ومن سار بغير نورٍ تعثّر، وإن ظنّ أنه على هدى.

ومعنى العلم بكلمة التوحيد أن يعي العبد دلالة قول: «لا إله إلا الله» وعيًا يلامس القلب قبل اللسان، ويهزّ الوجدان قبل أن يجري على الشفاه، ثم يفيض أثره على السلوك والعمل. فهي كلمة عظيمة، ليست مجرد حروف، بل عقيدة حياة، ومنهج توجّه، وميزان ولاء وبراء.

وهي كلمة مركّبة من ركنين عظيمين: نفيٍ وإثبات؛ نفيٌ لكل معبودٍ سوى الله، مهما كان اسمه أو صورته أو مكانته، وإثباتٌ للألوهية لله وحده سبحانه، فلا يُصرف شيء من العبادة، ولا ذرة من الخضوع، ولا لحظة من التعلّق القلبي إلا له. وهذا النفي ليس إنكارًا ذهنيًا مجرّدًا، بل خلعٌ حقيقي لكل ما ينازع الله حقه في العبادة والطاعة والمحبة والخوف والرجاء.

إن العلم بالتوحيد يكشف للعبد حقيقة الصراع في هذه الحياة؛ صراعٌ بين عبودية الله وعبودية غيره، بين التحرّر الحقيقي والخضوع الزائف، بين نور الوحي وظلمات الأهواء. فمن علم التوحيد حقًا، أدرك أن أخطر ما يهدد الإنسان ليس فقدان المال أو الجاه، بل فقدان المعنى، وضياع الوجهة، والانقياد لما سوى الله.

وكثير من الناس يقعون في خللٍ عظيم حين يظنون أن العلم هو حفظ التعريفات، أو ترديد المصطلحات، أو معرفة الأقوال دون فقهٍ لمقاصدها. بينما العلم الحقيقي هو الذي يُبصر القلب بزيف المعبودات، ويكشف خطر التعلّق بغير الله، ويُعرّي صور الشرك الخفي التي قد تتسلل إلى النفوس في لباسٍ مقبول أو مصلحةٍ مزعومة.

فالعلم بالتوحيد يحرّر الإنسان من عبودية الخلق، وينقذه من التبعية العمياء، ويكسر قيود الخوف من الناس، ويضعه على عتبة العبودية الخالصة لله وحده. به يَعرف العبد قدر نفسه، وحدود الخلق، وعظمة الخالق، فلا يرفع مخلوقًا فوق منزلته، ولا يُنزِل الخالق دون مقامه.

ومن جهل معنى التوحيد، سهل عليه أن يجمع بين الكلمة ونقيضها؛ فتراه يقول «لا إله إلا الله» بلسانه، وقلبه معلّق بغير الله، يخضع لهواه، أو يقدّس أشخاصًا، أو يستسلم لضغط الواقع، أو يبيع مبادئه باسم الحكمة والمصلحة. وهذا الخلل في الغالب لا ينشأ من عنادٍ صريح، بل من جهلٍ عميق بمعنى الكلمة التي نطق بها، وبمقتضياتها العملية في الحياة.

العلم بكلمة التوحيد يُنشئ في القلب ميزانًا دقيقًا، يزن به العبد أقواله وأفعاله ومواقفه. فيسأل نفسه قبل أن يتكلم: هل هذا القول يُرضي الله؟ وقبل أن يعمل: هل هذا العمل خالصٌ له؟ وقبل أن يتعلّق: هل هذا التعلّق مشروع أم هو صرفٌ لحق الله إلى غيره؟ بهذا الميزان يعيش المؤمن واعيًا، متزنًا، ثابتًا، لا تُغريه الشعارات البراقة، ولا تضلله الأسماء اللامعة، ولا تُخدعه كثرة الأتباع.

وحين يستقرّ العلم في القلب، يُثمر خشيةً صادقة؛ فالعبد كلما ازداد علمًا بربه ازداد تعظيمًا له، وكلما ازداد معرفةً بأسمائه وصفاته ازداد خوفًا منه ورجاءً فيه. والخشية هنا ليست خوفًا سلبيًا مشلولًا، بل وعيٌ عميق بمقام الله، يدفع إلى الاستقامة، ويمنع من التجرؤ على المعصية، ويجعل العبد يراقب ربه في السر والعلن.

كما أن العلم بالتوحيد يحفظ صاحبه من الانحراف يمينًا أو شمالًا؛ فلا يغلو حتى يرفع المخلوق فوق منزلته، ولا يجفو حتى يُفرّغ العبادة من روحها، ولا يتساهل حتى يُميّع الحق، ولا يتشدد حتى يُنفر الخلق. إنه علم يُنقذ من الغلو والتفريط معًا، ويجعل الطريق واضحًا، والمعايير ثابتة، والميزان مستقيمًا.

وفي زمنٍ كثرت فيه الأصوات، وتشابكت المفاهيم، وتزيّنت فيه الباطل بألف لباس، صار العلم بالتوحيد ضرورةً لا ترفًا، وحاجةً لا خيارًا. لأن الجهل في هذا الباب لا يُنتج إلا حيرة، ولا يورث إلا اضطرابًا في الدين والسلوك، ولا يقود إلا إلى تناقضٍ داخلي يُضعف الإيمان ويُربك المسار.

ومن هنا كان طلب العلم في التوحيد عبادة قلبية، وجهادًا فكريًا، ومسؤولية شخصية لا يُغني فيها تقليدٌ أعمى، ولا يُعذر فيها الإعراض. فكل عبدٍ مكلّف أن يعرف ربه، وأن يفهم معنى كلمته، وأن يُدرك حقيقة دينه.

فمن أراد النجاة، وأراد أن تكون كلمة التوحيد له نورًا في الدنيا، وطمأنينةً في القلب، ونجاةً في الآخرة، فليبدأ بالعلم، وليجعل من فهم التوحيد مشروع عمر، لا معلومة عابرة، ولا درسًا منسيًا، ولا كلمة تُقال بلا أثر.

السؤال: هل نعلم كلمة التوحيد علمًا يُحرّر قلوبنا من التعلّق بغير الله، ويُقيم سلوكنا على ميزان العبودية الصادقة، أم نكتفي بعلمٍ ساكن لا يتجاوز حدود اللسان؟


أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مدونة عَلى الفِطرَة

حيث نعودُ بالتعليم إلى صفائه الأول، إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها

دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

Culture générale

المعرفة سر النجاح

Saif AL Nuaimi

كاتب . مُحلل مالي . مُدرِب مُعتْمد

"زعترة برية🌱"

هنا تجدونني أبوح ببعض ما جال في خاطري أتقافز بين السطور بحريّة .. هاربة من قيود الواقع ✍

¤الحياة ¤

لايوجد حروف تصف الحياه

About Business Life

Real & practical advises to build and grow your business

صُبح

لو أنّ اللغة لم تعرف ضمائر الغيبة، لماتت الذاكرة جوعًا، وأعلنت الكتابة إفلاسها

نقطة عالحرف

مدونة لـ جنى نصرالله

صفحات صغيرة

أفكار في التقنية، التعليم والتبسيط يكتبها عبدالله المهيري

نجمة.

كفتاه تحارب الحياة وسلاحها القلم ، حياتنا قصه نرويها بأنفسنا ونضع من الذكريات ما نشاء فلنضع فيها ما يسرنا🌟.

حنين حاتم (كلمات مسحورة)

أهلا بكم في عالم الكلمات المسحورة