دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

الكفر بالطاغوت

الكفر بالطاغوت هو الوجه الآخر لكلمة التوحيد، ولا يكتمل معناها في قلب العبد إلا به؛ فكما أن قول: «إلا الله» إثباتٌ للألوهية لله وحده، فإن قول: «لا إله» كفرٌ بكل ما عُبد من دون الله، وبراءةٌ صريحة من كل سلطانٍ يُنازع الله حقه في العبادة والطاعة والتشريع. ومن هنا كان الكفر بالطاغوت شرطًا عظيمًا من شروط الانتفاع بكلمة التوحيد، لا يتم الإيمان إلا بتحققه.

والطاغوت في حقيقته اسمٌ جامع لكل ما تجاوز به العبد حدّه، فطُلبت له الطاعة أو الخضوع أو التقديس من دون الله، سواء كان شخصًا، أو فكرًا، أو نظامًا، أو هوىً متبعًا، أو شهوةً مسيطرة. فليس الطاغوت صنمًا يُعبد فقط، بل قد يكون فكرة تُقدّس، أو رأيًا يُقدّم على حكم الله، أو مصلحة تُطاع ولو خالفت أمره.

والكفر بالطاغوت لا يعني مجرد الإنكار اللفظي، ولا الاكتفاء بإعلان البراءة بالكلام، بل هو موقف قلبي وسلوكي شامل؛ يبدأ برفض الطاغوت في القلب، ثم بعدم الانقياد له في السلوك، ثم بالتحرر من آثاره في الفكر والقرار. هو تحطيم للأصنام الظاهرة والخفية، وتحرير للإنسان من كل عبودية زائفة.

ومن أعظم صور الطاغوت في حياة الناس: هوى النفس إذا صار هو الموجّه الأول للقرارات، والمصلحة إذا صارت معيار الحق والباطل، والخوف من الخلق إذا قدّم على خشية الله. فكم من إنسان عرف الحق، لكنه لم يتبعه؛ لأنه خضع لطاغوت الخوف أو طاغوت الطمع.

والكفر بالطاغوت يقتضي شجاعة داخلية؛ لأن الطاغوت لا يسقط بسهولة، ولأن التحرر منه قد يكلّف صاحبه ثمنًا. فترك المألوف صعب، ومخالفة السائد مؤلمة، والانحياز للحق في زمن الباطل يحتاج إلى قلبٍ قوي ويقينٍ راسخ.

ولهذا كان الكفر بالطاغوت امتحانًا صادقًا للتوحيد؛ فمن صدق في توحيده، لم يُساوم عليه، ولم يجزّئه، ولم يجعله خاضعًا للظروف. فهو يعلم أن الله هو المشرّع، وهو الحاكم، وهو المرجع الأعلى، وأن كل ما خالف أمره مردود مهما زخرفه الناس.

والكفر بالطاغوت لا يعني الفوضى، ولا التمرّد الأعمى، ولا الفساد في الأرض، بل يعني ضبط الطاعة بميزان الشرع، وردّ الأمور إلى الله ورسوله، وعدم تقديس الخطأ مهما كان مصدره. هو موقف أخلاقي قبل أن يكون شعارًا، ومسؤولية إيمانية قبل أن يكون ردّ فعل.

ومن ثمرات الكفر بالطاغوت: الحرية الحقيقية؛ فالعبد إذا تحرر من الخضوع لغير الله، صار حرًا في ضميره، ثابتًا في موقفه، لا تشتريه المناصب، ولا تُسكتُه المصالح، ولا تُرهبه التهديدات. لأنه يعلم أن رزقه بيد الله، وأجله بيد الله، وكرامته في طاعته.

كما يورث الكفر بالطاغوت وضوحًا في الرؤية؛ فلا يختلط الحق بالباطل، ولا تُلبّس المفاهيم، ولا يُزيَّن الانحراف باسم الواقعية أو الحكمة. فالمؤمن الموحد يرى الأمور بميزان الوحي، لا بميزان المزاج العام.

وفي زمنٍ كثرت فيه الطواغيت الحديثة، وتعددت صورها، وصارت تُقدَّم في لباسٍ ناعم من الحرية أو التقدّم أو العقلانية، صار الكفر بالطاغوت أعظم تحدٍّ أمام المؤمن. لأنه لم يعد صنمًا يُكسر، بل منظومةً تُقاوم، وثقافةً تُراجع، وهوىً يُجاهد.

والكفر بالطاغوت لا يكتمل إلا بالثبات؛ ثباتٍ على الحق، واستقامةٍ في الطريق، وصبرٍ على الأذى. فالتوحيد ليس طريقًا مفروشًا بالورود، بل مسيرة ابتلاء، لكن عاقبتها كرامة في الدنيا، ونجاة في الآخرة.

فإذا اجتمع العلم واليقين والإخلاص والصدق، وتوّجها العبد بالكفر بالطاغوت، اكتمل توحيده، واستقامت عبوديته، وصار قوله: «لا إله إلا الله» عهدًا حيًّا، لا لفظًا ميتًا.

السؤال: ما الطاغوت الذي ما زال يقيّد قلوبنا أو قراراتنا، ويمنعنا من تمام العبودية لله، ومتى نملك الشجاعة لنكفر به كفرًا يحرّرنا حقًا

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مدونة عَلى الفِطرَة

حيث نعودُ بالتعليم إلى صفائه الأول، إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها

دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

Culture générale

المعرفة سر النجاح

Saif AL Nuaimi

كاتب . مُحلل مالي . مُدرِب مُعتْمد

"زعترة برية🌱"

هنا تجدونني أبوح ببعض ما جال في خاطري أتقافز بين السطور بحريّة .. هاربة من قيود الواقع ✍

¤الحياة ¤

لايوجد حروف تصف الحياه

About Business Life

Real & practical advises to build and grow your business

صُبح

لو أنّ اللغة لم تعرف ضمائر الغيبة، لماتت الذاكرة جوعًا، وأعلنت الكتابة إفلاسها

نقطة عالحرف

مدونة لـ جنى نصرالله

صفحات صغيرة

أفكار في التقنية، التعليم والتبسيط يكتبها عبدالله المهيري

نجمة.

كفتاه تحارب الحياة وسلاحها القلم ، حياتنا قصه نرويها بأنفسنا ونضع من الذكريات ما نشاء فلنضع فيها ما يسرنا🌟.

حنين حاتم (كلمات مسحورة)

أهلا بكم في عالم الكلمات المسحورة