دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

زينب بنت جحش رضي الله عنها
زواجٌ من فوق سبع سماوات

 لم تكن زينب بنت جحش رضي الله عنها امرأةً عادية في تاريخ النبوة، بل كانت آيةً في الطاعة، ومشهدًا من مشاهد التشريع، واسمًا ارتبط بآيةٍ تتلى إلى يوم القيامة.

 كانت من السابقات إلى الإسلام، وهي ابنة عمة النبي ﷺ، فلما أراد ﷺ أن يُبطل الفوارق الجاهلية بين الحرّ والعبد، زوّجها زيد بن حارثة رضي الله عنه، مولاه ومتبناه، فقبلت طاعةً لله ورسوله، رغم ما كان في النفس من مشقةٍ اجتماعية، فنزل قول الله تعالى:
 ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾.

 ثم وقع الفراق بينها وبين زيدٍ رضي الله عنه، وكان زيدٌ يومئذٍ يُعرَف بزيد بن محمد، لأنه كان مُتبنًّى عند النبي ﷺ قبل أن يُبطِل الله حكم التبنّي، فكان الناس يعدّونه كأحد الأبناء في العرف الجاهلي، مع أن التبنّي لا يُنشئ بنوّةً حقيقية في الشرع.

 فجاء في الأمر سرٌّ أعظم من قصة زواج، إذ أراد الله أن يُبطِل عادة التبنّي التي كانت تجعل المتبنَّى كالابن الحقيقي في الأحكام، فأنزل سبحانه:
 ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾.

 فكان زواجها من النبي ﷺ بأمرٍ من السماء، لا بوليٍّ ولا شهود، ليكون بيانًا عمليًّا قاطعًا بأن زوجة المتبنَّى ليست كزوجة الابن من الصلب، وأن الأحكام إنما تُبنى على النَّسب الحقيقي لا على الدعوى.

 وكانت رضي الله عنها تفخر بهذا التكريم فتقول:
 «زوّجكن أهاليكن، وزوّجني الله من فوق سبع سماوات».
 أخرجه البخاري في صحيحه (7420).

 وكانت رضي الله عنها مع هذا الفخر، كثيرة العبادة، كثيرة الصدقة، حتى قالت عائشة رضي الله عنها:
 «ما رأيت امرأةً قط خيرًا في الدين من زينب، أتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة».
 صحيح مسلم (2442).

 وكانت تعمل بيدها، تدبغ الجلود، وتبيع، ثم تتصدق بما تكسبه، لا تعتمد على عطائها من بيت المال، بل تختار أن يكون رزقها ممزوجًا بعملها، ومالها موصولًا بفقيرٍ أو مسكين.

 ولما توفيت رضي الله عنها، كانت أول زوجات النبي ﷺ لحوقًا به بعده، تحقيقًا لما قال ﷺ لنسائه:
 «أسرعكن لحاقًا بي أطولكن يدًا».
 قالت عائشة: فكنا نتطاول، فأولنا لحوقًا به زينب، وكانت أطولنا يدًا في الصدقة.
 صحيح البخاري (1420)، صحيح مسلم (2452).

 ومعنى «كُنَّا نَتَطَاوَلُ» أي: كُنَّا يمدُّ بعضُنا يدَه ليقيس طولها مقارنةً بغيرها، لأن النبي ﷺ قال لهنَّ قبل وفاته: «أسرعُكُنَّ بي لُحوقًا أطولكنَّ يدًا»، ففهمنَ المعنى على ظاهره الحسي، فصرنَ يقِسْن أطوال أيديهنَّ ظنًّا أن الأطول يدًا من جهة الخِلقة هي التي ستموت أولًا بعده ﷺ.

 لكن تبين بعد ذلك أن المقصود لم يكن الطول الجسدي، بل الطول المعنوي، أي: كثرة الصدقة، وبذل المال في سبيل الله، لأن «طول اليد» في لسان العرب يُستعمل كنايةً عن السخاء والجود.
 فكانت زينب بنت جحش رضي الله عنها أكثرهنَّ صدقةً وأعظمهنَّ بذلًا، فكانت أول زوجاته وفاةً بعده ﷺ، فظهر لهنَّ المعنى الحقيقي للحديث، وعَلِمن أن العبارة كانت مجازًا بليغًا، لا وصفًا جسديًا

خصائص امتازت بها:
 - ابنة عمة النبي ﷺ، ومن السابقات إلى الإسلام، جمعت بين الشرف النَّسَبي والفضل الإيماني.
 - زواجها من النبي ﷺ كان بنصٍّ قرآنيٍّ مُتلى، فكان تكريمًا ربانيًّا مباشرًا.
 - كانت قصتها سببًا في إبطال عادة التبنّي الجاهلية، وتحويل الحكم إلى أصلٍ تشريعيٍّ باقٍ إلى يوم القيامة.
 - ارتبط اسم زيد رضي الله عنه في قصتها بذكرٍ صريحٍ في القرآن، فخلّد الحدث تشريعًا ونصًّا.
 - شهد لها النبي ﷺ بأنها أسرع أزواجه لحوقًا به، وظهر أن المقصود طول اليد في الصدقة.
 - أثنت عليها عائشة رضي الله عنها بعلوّ دينها، وصدقها، وورعها، مع قوّة شخصيتها.
 - كانت تعمل بيدها، وتتصدّق من كسبها، فجمعت بين العبادة العملية والسخاء.
 - عُرفت بكثرة الصيام والقيام، وبالجدّ في الطاعة.
 - كانت أوّل زوجاته ﷺ وفاةً بعده، فتحقق فيها الخبر النبوي ظاهرًا.
 - كانت مثالًا لتحوُّل الإنسان من ظرفٍ اجتماعيٍّ قد يبدو صعبًا – كالزواج الأول ثم الطلاق – إلى اصطفاءٍ وتشريفٍ إلهيٍّ أعظم.

 لم تكن زينب رضي الله عنها مجرد زوجةٍ للنبي ﷺ، بل كانت صفحةً من صفحات التشريع، ودرسًا في أن الطاعة قد تسبق الفهم، وأن العبد إذا سلّم لله أمره، رفعه الله فوق سبع سماوات، وكتب اسمه في آيةٍ لا تنقطع تلاوتها.

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مدونة عَلى الفِطرَة

حيث نعودُ بالتعليم إلى صفائه الأول، إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها

دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

Culture générale

المعرفة سر النجاح

Saif AL Nuaimi

كاتب . مُحلل مالي . مُدرِب مُعتْمد

"زعترة برية🌱"

هنا تجدونني أبوح ببعض ما جال في خاطري أتقافز بين السطور بحريّة .. هاربة من قيود الواقع ✍

¤الحياة ¤

لايوجد حروف تصف الحياه

About Business Life

Real & practical advises to build and grow your business

نقطة عالحرف

مدونة لـ جنى نصرالله

صفحات صغيرة

أفكار في التقنية، التعليم والتبسيط يكتبها عبدالله المهيري

نجمة.

كفتاه تحارب الحياة وسلاحها القلم ، حياتنا قصه نرويها بأنفسنا ونضع من الذكريات ما نشاء فلنضع فيها ما يسرنا🌟.

حنين حاتم (كلمات مسحورة)

أهلا بكم في عالم الكلمات المسحورة