
أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنها
الثبات في أرض الغربة
لم يكن ابتلاء أم حبيبة رضي الله عنها في فقرٍ ولا في مرض، بل كان في الغربة، حين يبتعد الإنسان عن أهله وقومه، ويصبح الإيمان وحده هو السند.
كانت ابنة أبي سفيان بن حرب، زعيم قريش يوم كانت تقود حربها ضد الإسلام، ومع ذلك اختارت هي طريق الإيمان مبكرًا، فأسلمت في مكة، وخرجت بدينها مهاجرةً مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى أرض الحبشة، في الهجرة الأولى التي فرّ فيها المسلمون بدينهم من أذى قريش.
لكن الغربة حملت لها امتحانًا أعظم مما تركت خلفها، فقد ارتدّ زوجها هناك وتنصّر، وبقيت هي وحدها ثابتة على الإسلام، لا عشيرة تحميها، ولا قريب يواسيها، ولا وطن تأوي إليه.
أخرجه البخاري في صحيحه.
لم تتبع زوجًا في كفره، ولم تُساوم على عقيدتها، فكانت وحدها أمةً ثابتة في أرضٍ بعيدة.
وفي قلب تلك الغربة جاءها التكريم من السماء، إذ بعث النبي ﷺ إلى النجاشي ملك الحبشة يخطبها، فزوّجها النجاشي من رسول الله ﷺ، وجعل صداقها عنه أربعمائة دينار.
متفق عليه.
وكان زواجها من النبي ﷺ قصةً فريدة، فقد عُقد نكاحها وهي خارج جزيرة العرب، فقام النجاشي مقام وليّها، وخطبها للنبي ﷺ، ثم أمهرها عنه، وصنع للمهاجرين وليمة.
فانتقلت من عزلة الغربة في الحبشة إلى بيت النبوة في المدينة، ومن امرأةٍ ابتليت في دينها إلى أمٍّ للمؤمنين.
ثم جاء امتحان آخر يكشف صدق ولائها، حين قدم أبوها أبو سفيان المدينة قبل إسلامه، فدخل عليها يريد الجلوس على فراش النبي ﷺ، فطوته عنه، فقال: أرغبتِ بي عن الفراش؟
قالت: هو فراش رسول الله ﷺ، وأنت رجل مشرك.
أخرجه مسلم في صحيحه.
فقدّمت العقيدة على الأبوة، والإيمان على رابطة الدم.
وكانت من الراويات الفقيهات، نقلت عن النبي ﷺ حديث السنن الرواتب، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بُني له بهن بيت في الجنة».
أخرجه مسلم في صحيحه.
ولم يكن هذا الحديث عندها روايةً فحسب، بل عبادةً ملازمة، فقد قالت رضي الله عنها:
«ما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله ﷺ».
أخرجه مسلم في صحيحه.
فصار اسمها مقترنًا بحديثٍ يبني البيوت في الجنة.
لما شعرت أم حبيبة رضي الله عنها بدنوّ أجلها، أرادت أن تلقى الله وقلبها صافٍ من كل ما قد يقع بين الضرائر من غيرةٍ أو عتب، فدعت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وقالت لها:
«قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر، فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك».
فقالت عائشة رضي الله عنها: «غفر الله لكِ ذلك كلَّه، وحللتكِ منه».
فقالت أم حبيبة: «سررتِني سرّكِ الله».
ثم أرسلت بعد ذلك إلى أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، ففعلت معها مثل ذلك، لتلقى ربها وقد صفَت القلوب، وبرئت الذمم.
أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى
خصائص امتازت بها:
- أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان بن حرب رضي الله عنها.
- ابنة أبي سفيان زعيم قريش وقائدها يوم كانت تحارب الإسلام، ثم أسلم يوم فتح مكة.
- كان أبوها ممن شملتهم كرامة الإسلام يوم الفتح حين قال النبي ﷺ: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن».
- أخت الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.
- من السابقات إلى الإسلام في مكة رغم نشأتها في بيت قيادة قريش.
- من قريبات النبي ﷺ نسبًا من بني عبد مناف.
- من أوائل المهاجرات إلى الحبشة فرارًا بدينها.
- ابتُلِيت في غربتها بارتداد زوجها وتنصّره، فثبتت وحدها على الإسلام.
- زوّجها النجاشي للنبي ﷺ وهي في أرض الحبشة.
- كان صداقها أربعمائة دينار، وهو أعلى صداقٍ بين أمهات المؤمنين.
- أبعد زوجات النبي ﷺ دارًا عند عقد النكاح، إذ تم زواجها خارج جزيرة العرب.
- قدّمت ولاء العقيدة على رابطة الأبوة حين منعت أباها من الجلوس على فراش النبي ﷺ.
- يجتمع نسبها مع الصحابي الجليل أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه في بني أمية، فأمها صفية بنت أبي العاص بن أمية، وعثمان بن عفان هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، ولذلك كان عثمان ابنَ خالِها
- اقترن اسمها بحديث السنن الرواتب الذي يبني الله به بيتًا في الجنة
لم تكن أم حبيبة رضي الله عنها صاحبة سيفٍ في ساحة القتال، لكنها كانت صاحبة ثباتٍ في ساحة القلوب، صبرت في الغربة حين ضعف غيرها، وثبتت على الدين حين تزلزل أقرب الناس إليها، فرفعها الله من ابتلاءٍ موحش إلى شرفٍ خالد، وجعل قصتها شاهدًا أن الغربة لا تكسر المؤمن، بل تُظهر معدنه.
ابن المبارك