
أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ رضي الله عنها
نورٌ بعد نور
وُلِدت أمُّ كلثوم رضي الله عنها في مكة قبل البعثة النبوية، ونشأت في بيت النبوة، بين أبٍ اصطفاه الله لحمل رسالته، وأمٍّ كانت من خيرة نساء قريش خُلُقًا وعقلًا، فتربّت على مكارم الأخلاق منذ صغرها، وعُرفت بالحشمة والطهارة والوقار، كما كان شأن بنات النبي ﷺ جميعًا.
لم تكن أم كلثوم رضي الله عنها كثيرة الرواية، لكنها كانت صفحةً من صفحات الصبر في بيت النبوة، وشاهدةً على تبدّل الأيام من أذى مكة إلى عزّ المدينة.
كانت ممن خُطِبن قبل البعثة لابني أبي لهب، فلما بُعث النبي ﷺ، وأمر الله أبا لهب بالبراءة منه، طلّق ابناه ابنتي رسول الله ﷺ امتثالًا لأمر أبيهما، فكان في ذلك أذىً ظاهر لبيت النبوة، إذ أرادوا أن يجعلوا من طلاقها وسيلةً للضغط على النبي ﷺ في بداية الدعوة، غير أنها بقيت صابرةً ثابتةً مع أبيها في تلك الأيام العصيبة.
ذكره ابن سعد في الطبقات (8/37).
ثم تزوّجها عثمان بن عفان رضي الله عنه بعد وفاة أختها رقية، فلقّب لذلك بـ«ذي النورين»، لزواجه ابنتي النبي ﷺ، فكان الرجل الوحيد في التاريخ الذي تزوّج ابنتين لنبي، فصار هذا الزواج تكريمًا له ومكانةً عظيمة بين الصحابة.
أخرجه الترمذي، وصححه الألباني.
وكانت رضي الله عنها من المهاجرات إلى المدينة بعد بدر، فعاشت في بيتٍ شهد بدايات التمكين بعد سنوات الاستضعاف، وانتقلت من أيام الأذى في مكة إلى أيام العزة في المدينة.
وعاشت في بيت عثمان رضي الله عنه حياةً هادئةً صالحة، فكانت مثالًا للمرأة الصالحة في بيتها، قريبةً من أبيها النبي ﷺ، ملازمةً لأهل بيت النبوة، تشهد بناء المجتمع الإسلامي في سنواته الأولى.
ثم توفيت رضي الله عنها في السنة التاسعة للهجرة، وكان عمرها يقارب سبعًا وعشرين سنة، فحزن عليها النبي ﷺ حزنًا شديدًا، ونزل في قبرها، وقد رُوي أنه قال لعثمان رضي الله عنه:
«لو كانت عندنا ثالثة لزوّجناكها».
رواه الطبراني، وحسّنه الألباني في السلسلة الصحيحة (2777).
ولم يكن فقدُ أمِّ كلثوم رضي الله عنها حادثةً منفردةً في حياة النبي ﷺ، بل كان جزءًا من ابتلاءٍ متكررٍ أصاب قلب الأب الرحيم؛ فقد ودّع رسول الله ﷺ ثلاثًا من بناته في سنٍّ متقاربة من الشباب، فقد توفيت زينب رضي الله عنها وهي في نحو الثلاثين، ثم توفيت رقية رضي الله عنها يوم بدر في السنة الثانية للهجرة وكان عمرها نحو اثنتين وعشرين سنة، ثم لحقت بهما أم كلثوم رضي الله عنها في السنة التاسعة للهجرة، وهي في نحو سبعٍ وعشرين سنة.
ثلاث بناتٍ يدفنهن الأب بيده، واحدةً بعد أخرى، وكلُّ واحدةٍ منهن في ربيع عمرها، وهو ابتلاءٌ لو نزل على قلب أبٍ لقصم ظهره، لكن قلب النبي ﷺ كان قلبًا موصولًا بالله، يعرف أن ما عند الله خيرٌ وأبقى، فكان يحزن لفقدهن حزن الأب الرحيم، وتدمع عيناه، لكنه كان صابرًا محتسبًا، لا يقول إلا ما يرضي ربَّه، ليعلّم الأمة أن البلاء مهما عظم فإن الصبر عليه طريق الأجر والرضا.
خصائص امتازت بها:
- من بنات النبي ﷺ الطاهرات.
- طلّقها ابنا أبي لهب أذىً للنبي ﷺ في بداية الدعوة.
- تزوّجها عثمان بن عفان رضي الله عنه بعد أختها رقية.
- كان زواجها سببًا في تلقيب عثمان رضي الله عنه بـ«ذي النورين».
- عاشت مرحلة التحول من استضعاف مكة إلى تمكين المدينة.
- توفيت في حياة النبي ﷺ فحزن عليها حزنًا شديدًا.
- توفيت وهي في نحو سبعٍ وعشرين سنة.
لم تكن أم كلثوم رضي الله عنها صاحبة خطبٍ أو روايات كثيرة، لكنها كانت نورًا في بيت النبوة، وصبرًا في وجه أذى قريش، وكرامةً خُصّ بها عثمان رضي الله عنه، لتبقى سيرتها شاهدًا على أن بيوت الأنبياء تُبتلى كما تُبتلى بيوت الناس، لكنها تبقى طاهرةً ثابتة.