
أم سليم بنت ملحان رضي الله عنها
امرأةٌ كان مهرها الإسلام
اسمها سَهلة بنت ملحان بن خالد الأنصارية النجارية رضي الله عنها، من بني النجار من الخزرج، وهي أم الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله ﷺ، وقد غلبت عليها كنيتها أم سليم حتى اشتهرت بها في كتب السيرة والحديث.
وكان زوجها الأول مالك بن النضر والد أنس رضي الله عنه، فلما أسلمت أم سليم ثبتت على الإسلام، بينما بقي زوجها على شركه، فغضب وخرج إلى الشام فمات هناك، فبقيت أم سليم ثابتة على دينها تربي ابنها أنسًا على الإيمان.
لم تكن أم سليم رضي الله عنها امرأةً تُساوم على دينها، ولا تُقدّم عاطفةً على عقيدة، بل كانت ترى أن الإسلام هو القيمة الأعلى، وما دونه تابعٌ له.
خطبها أبو طلحة الأنصاري زيد بن سهل رضي الله عنه وهو يومئذٍ مشرك، فقالت له كلماتٍ صنعت تاريخًا:
«يا أبا طلحة، مثلك لا يُرد، ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة، فإن تسلم فذلك مهري، لا أسألك غيره».
فأسلم، فكان إسلامه مهرها.
سنن النسائي (3341)، وصححه الألباني.
لم تطلب ذهبًا ولا فضة، بل طلبت قلبًا مؤمنًا.
وكانت رضي الله عنها من أعظم النساء صبرًا، فقد مات لها ولدٌ من أبي طلحة، فصبرت وكتمت الخبر حتى رجع زوجها، فأحسنت إليه، ثم أخبرته برفقٍ وحكمة، فاحتسبا معًا، فدعا لهما النبي ﷺ بالبركة، فولد لهما بعد ذلك عبد الله، وكان من ذريته تسعةٌ كلهم من أهل القرآن.
صحيح البخاري (5470)، صحيح مسلم (2144).
وكانت رضي الله عنها ممن شهد المشاهد مع النبي ﷺ، تسقي المجاهدين وتداوي الجرحى يوم أحد.
صحيح مسلم (1811).
وكانت امرأةً ثابتة القلب شجاعة الروح، حتى إنها يوم حنين خرجت ومعها خنجر، فلما رآها النبي ﷺ قال: «ما هذا معك يا أم سليم؟» فقالت: خنجرٌ اتخذته، إن دنا مني أحد من المشركين بقرتُ به بطنه. فتبسم النبي ﷺ من شجاعتها وثباتها.
صحيح مسلم (1809).
وكانت أمًّا لأنس بن مالك رضي الله عنه، فأخذته إلى النبي ﷺ وهو غلام، فقالت: يا رسول الله، هذا أنس غلام يخدمك، فقبله النبي ﷺ ودعا له.
صحيح البخاري (1982)، صحيح مسلم (2309).
فكان من أثر دعائه ﷺ أن عاش أنس عمرًا طويلًا، وكثر ماله وولده.
ومن بركة بيتها أن النبي ﷺ دخل بيت أبي طلحة وأم سليم يومًا، وكان عندهم طعام قليل، فدعت أم سليم النبي ﷺ إليه، فبارك فيه النبي ﷺ حتى أكل منه جمعٌ كبير من الصحابة وشبعوا، وكان ذلك من دلائل البركة التي جعلها الله في بيتها.
أخرجه البخاري في صحيحه.
وكانت رضي الله عنها من فقيهات نساء الأنصار، تسأل عن دينها بصدقٍ ووضوح، إذ قالت يومًا للنبي ﷺ: «يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق…» تسأله عن أحكام الطهارة، فبيّن لها الحكم، فكان في سؤالها تعليمٌ للأمة أن طلب العلم لا يمنعه الحياء.
صحيح البخاري (130)، صحيح مسلم (313).
خصائص امتازت بها:
- جعلت إسلام أبي طلحة مهرها، وهو من أندر المهور في تاريخ الإسلام.
- مثالٌ عظيم في الصبر والحكمة عند فقد الولد.
- من النساء اللواتي شهدن الغزوات يسقين المجاهدين ويداوين الجرحى.
- عُرفت بالشجاعة حتى حملت الخنجر يوم حنين دفاعًا عن المسلمين.
- أمّ أنس بن مالك خادم النبي ﷺ وأحد كبار رواة السنة.
- من فقيهات نساء الأنصار في طلب العلم وسؤال النبي ﷺ.
- كان بيتها موضع بركة بدعاء النبي ﷺ وتكثير الطعام فيه.
لم تعش أم سليم رضي الله عنها امرأةً في ظل الأحداث، بل كانت جزءًا من صناعتها، امرأةٌ جعلت الإيمان مهرها، والصبر طريقها، والحكمة سلاحها.
بقي اسمها رضي الله عنها شاهدًا على أن المرأة المؤمنة قد تبني بصدقها بيتًا صغيرًا، لكن أثره يمتد في تاريخ أمةٍ كاملة.
ابن المبارك