
صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها
عمةُ النبي… وقلبُ الشجاعة
لم تكن صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها امرأةً عابرة في بيت النبوة، بل كانت عمة رسول الله ﷺ، وأخت حمزة سيد الشهداء، وأمَّ الزبير بن العوام حواريّ النبي ﷺ، فاجتمع لها شرف النسب، وقوة الإيمان، وصلابة الطبع.
أسلمت رضي الله عنها، وهاجرت إلى المدينة، وحضرت بعض المشاهد مع المسلمين.
وقد ذُكرت هجرتها في الطبقات الكبرى (8/36).
وكانت رضي الله عنها قريبةً من رسول الله ﷺ نسبًا ومقامًا، تعيش في محيطه، وتشهد أحداث الدعوة عن قرب، فكان لها حضورٌ ثابت في المجتمع النبوي، لا بصخب الرواية، بل بثبات الموقف، وقوة التأثير.
ومن أعظم مواقفها ما ذُكر يوم الخندق، حين كان النساء والصبيان في حصن حسان بن ثابت رضي الله عنه، فجاء رجلٌ من يهود يطوف بالحصن يريد التثبت من خلوّه من الرجال ليخبر قومه، وكان في ذلك خطرٌ عظيم.
فنظرت صفية رضي الله عنها إليه، فقالت لحسان: انزل فاقتله.
فقال: يغفر الله لكِ، ما أنا بصاحب هذا.
فشدّت عليها ثيابها، ونزلت بنفسها، فضربته بعمودٍ حتى قتلته، ثم قطعت رأسه، وألقته على اليهود من فوق الحصن، فلما رأوا الرأس قالوا: قد علمنا أن محمدًا لم يترك أهله بغير حارس، فانصرفوا.
وقد ذُكرت هذه القصة في كتب السيرة، ومنها السيرة النبوية (3/231).
فكانت امرأةً في موضعٍ لو اضطرب فيه كثيرٌ من الرجال، لكنها ثبتت.
وشهدت رضي الله عنها أُحدًا، ورأت أخاها حمزة رضي الله عنه شهيدًا وقد مُثّل به، فلما أُريد منعها من رؤيته أبت إلا أن تراه، فلما وقفت عليه لم تنهَر، ولم تجزع جزعًا يخرج عن الصبر، بل تماسكت واحتسبت، وقالت كلماتٍ تدل على رضاها بقضاء الله، فكان ذلك موقفًا يُجسّد الصبر عند الصدمة الأولى، وثبات القلب عند أعظم الفواجع.
وقد ذكر ذلك الطبقات الكبرى (8/37).
ولم يكن ثباتها رضي الله عنها موقفًا عابرًا، بل كان طبعًا ممتدًا، ظهر في حياتها كلّها، حتى في تربيتها لابنها الزبير رضي الله عنه، فقد نشأ على الشجاعة والإقدام، وكان من فرسان الإسلام الكبار، ويُروى أنها كانت تؤدبه بشدة، فقيل لها: قد أضررتِ بالزبير، فقالت: إنما أؤدبه ليكون لبًّا عاقلاً، ويغلب الجيوش جرارًا.
ذكر ذلك أهل السير.
خصائص امتازت بها:
- عمة رسول الله ﷺ، وأخت حمزة رضي الله عنه.
- أمّ الزبير بن العوام حواريّ النبي ﷺ.
- أسلمت وهاجرت وثبتت مع المسلمين.
- ذُكر من شجاعتها قتلها رجلًا يوم الخندق دفاعًا عن المسلمين.
- شهدت أُحدًا، وصبرت عند رؤية أخيها حمزة رضي الله عنه.
لم تكن صفية رضي الله عنها امرأةَ بيتٍ فقط، بل كانت امرأة موقف، يوم تراجع بعض الرجال عن النزول، نزلت، ويوم اشتد الحصار ثبتت، ويوم وقفت أمام مشهدٍ تهتز له القلوب تماسكت، فلم تغلبها عاطفة، ولم يكسرها ألم.
كانت عمة النبي ﷺ نسبًا، لكنها كانت في الثبات مدرسة، وفي الشجاعة عنوانًا، وفي التربية أثرًا ممتدًا، لتبقى سيرتها شاهدًا أن البطولة لا يختص بها الرجال، وأن قلبًا مؤمنًا قد يغيّر مسار معركة، ويصنع رجالًا يغيّرون مجرى التاريخ.
ابن المبارك