
الطيور وأشياء تحكى
تراهم أسراباً خفاقة في الأعالي عند الصباح والمساء،
في الشروق البديع وعند الغروب الحزين يبثون
في نفسك شعوراً دافقاً مليئاً بالحرية عند انطلاقهم في الفضاء،
ويحثون في شخصك محبة العمل و الاجتهاد في خروجهم كل يوم عند الصباح،
تذكرك أعشاشهم الصغيرة بأن السكينة لا تأتي من القصور المعلقة أو الأبهة و العظمة،
بل تنبع من لحظةٍ مغعمة بالانطلاق في عالم بلا قيود.
الطيور هذه الكائنات المنسابة الجسم، الرائعة الملمس،
تنشف أسماعاك وقت الصباح بتغريدها الذي يطربنا فننتقل إلى عالمها المسحور،
إلى ذلك الرياض تاركين أجسادنا في هذا العالم المادي و سابحين بأرواحنا إلى كون كل ما فيه نور.
تتجلى روعة الفجر عندما يغردون بصوت واحد،
لا تعلم من الذي يبدأ ومن الذي انتهى وأي منهم توقف
عن مناجاة الشروق ومداعبة هذا الجمال القادم بصوت عذبٍ حساس.
وفي المساء تذكرك أصواتهم بلحظات الوداع للأحباب،
فكأنما تشارك هذه الطيور السماء حزنها في رحيل الشمس عن الأرض فتعزف سيمفونية الوداع،
فيعتكف الأصيل على نفسه من حرقة الوداع ولواعج الأشواق.
تراهم أسراباً أسراباً وحدتهم في كل شيء في المشرب… والمأكل…
وأهم انعكاس يتجلى فيه اتحادهم هو هجرتهم سوياً من البرودة إلى الدفء في كل عام،
يبقون قلباً واحداً وقالباً واحداً يجول العالم في سرب،
ومن يدري ربما يعلمون بجسدهم الغريزي أن النحن خير من الأنا
وأن الكل قادر على مجابهة أصعب الأعداد أكثر من الواحد بأي حال،
وذلك حتماً ما يجعلهم يحلقون في عالم السلام الذي يغزونه بصفقات أجنحتهم.
وأما أعشاشهم الصغيرة وحركتهم الأولى فهي بالتأكيد تنقل الطفل الصغير الموجود
في داخل كل منا إلى ذلك الانطلاق الأول للحياة، بفهمنا لكل معانيها المتعددة سواءً أكانت خاطئة أم صائبة،
بريئة أم لبست ثوب التعقيد الاجتماعي فأصبحت مشذبةً حيناً ومصقولةً أخرى وأحياناً أخرى مبتورة.
تراهم دائمي العمل، وفي أي وقت ترفع رأسك إلى السماء تلمحهم قد سعوا لرزقهم
بجدٍ ونشاط ليتمموا مشوار العمر، وليحصدوا لقمة العيش
كما عمالنا المخلصون في الأرض يجتهدون في بناء الوطن وتحصيل لقمة الحياة..
وأجمل ما في هذه المخلوقات حريتها وانطلاقها في ملكوت السماء،
وكم يبعث هذا الموقف الألم في نفس كبتت حريته،
فهو كالعصفور في القفص يتطلع إلى الفضاء بلوعة وينظر إلى قلبه بحسرة وعبرة.
وقت تبدأ مناظرتك لهم تغوص في دنيا من الخيال،
ولا تعلم إذا كنت قد سافرت إلى عالم الأساطير
أم أن ما حولك قد انعدم وبقيت أنت
وهذه المخلوقات تسبح في عالم لا تعلم من أين يبدأ ولا أين قراره!؟