
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين..أما بعد :
فالإنسان العاقل يحرص أن لا يكون له أعداء في حياته, فوجود الأعداء يُكدر الخاطر, ويجلب الهم, ويستلزم الانشغال بهم, وبذل الوقت والجهد والمال لِردِّ كيدهم, ومقاومة شرهم.
ولكن يوجد عدو مهما حرص الإنسان أن لا يكون عدواً له, فلن يستطيع لذلك سبيلاً, ذلكم هو : الشيطان الرجيم, الذي استكبر عن طاعة الله, ولم يسجد لآدم عليه السلام حيث أمره الله, فكان ذلك سبباً لغضب الله عز وجل عليه, وطرده من الجنة, فأصبح آدم عليه السلام وذريته أعداءً له.
وهذا العدو قرين للإنسان, فعن عائشة رضي الله عنها, أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها ليلاً قالت : فغرت عليه, فجاء فرأى ما أصنع فقال: (مالك يا عائشة أغرت ؟ ) فقلتُ : ومالي يغار مثلي على مثلك, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أقد جاءك شيطانك ؟) قُلتُ : يا رسول الله أو معي شيطان, قال : (نعم ) قُلتُ : ومعك يا رسول الله, قال : ( نعم, لكن ربي أعانني عليه حتى أَسلَ ) [أخرجه مسلم] قال الإمام النووي رحمه الله : وفي هذا الحديث إشارة إلى التحذير من فتنة القرين, ووسوسته, وإغوائه, فأعلمنا بأنه معنا, لنحترز منه بقدر الإمكان.
ــــ(3)
وهذا العدو لا يفارق الإنسان فهو يجري معه مجرى الدم, فعن جابر رضي الله عنه, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تلجوا على المغيبات فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم) [أخرجه الترمذي]وعن أم المؤمنين صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم, رضي الله عنها, أنها جاءت رسول الله علية الصلاة والسلام تزوره في اعتكافه فتحدثت عنده ساعة, ثم قامت تنقلب, فقام النبي صلى الله عليه وسلم معها يقلبها, حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمه مرَّ رجلان من الأنصار فسلما على النبي صلى الله عليه وسلم, فقال لهما : ( على رسلكما إنما هي صفية بنت حُيى ) فقالا : سبحان الله يا رسول الله وكبُر عليهما فقال : ( إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم وإني خشيتُ أن يقذف في قلوبكما شيئاً ) [متفق عليه] قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : قوله (يجري) قيل على ظاهره وأن الله تعالى أقدره على هذا, وقيل هو على سبيل الاستعارة من كثرة إغوائه, وكأنه لا يفارقه كالدم فاشتركا في شدة الاتصال.
وتبلغ أذية هذا العدو أنه يحرص على إيذاء الإنسان حتى وهو نائم, فعن عوف بن مالك رضي الله عنه, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الرؤيا ثلاثة : منها تهاويل من الشيطان ليحزن ابن آدم) [أخرجه ابن ماجه]
وعن جابر رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني رأيت في المنام كأن رأسي قُطع! فضحك النبي صلى الله عليه وسلم, وقال : ( إذا لعب الشيطان بأحدكم في منامه فلا يُحدث به الناس)[أخرجه مسلم]