
إلى رفقاء الدرب
إن الإنسان وهو يسير في هذه الدنيا ويقطع مراحل حياته فيها يحتاج إلى من يؤانسه
في الطريق ويسلي وحدته في السفر .. ويكون له عونًا عند نزول الملمات والحوادث،
يفرح لفرحه ويحزن لحزنه … أصاب من الدين أوفره ومن الأدب أكثره …
جمع الله له بين الدين والخلق …
ولا يخفى أن ثمرة الخلق الحسن الألفة وانقطاع الوحشة،
ومهما طاب الثمر طابت الثمرة،
وكيف وقد ورد في الثناء على نفس الألفة سيما إذا كانت الرابطة
هي التقوى والدين وحب الله من الآيات والأخبار والآثار ما فيه كفاية ومقنع،
قال الله تعالى مظهرًا عظيم منته على الخلق بنعمة الألفة: {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ}
وقال تعالى: {فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا}. أي بالألفة، ثم ذم التفرقة وزجر عنها
فقال عز من قائل: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} إلى {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}
إن التحاب في الله والأخوة في دينه من أفضل القربات،
وألطف ما يستفاد من الطاعات في مجاري العادات
ولها شروط بها يلتحق المتصاحبون بالمتحابين في الله تعالى،
وفيها حقوق بمراعاتها تصفو الأخوة عن شوائب الكدورات ونزعات الشيطان،
فبالقيام بحقوقها يتقرب إلى الله زلفى، وبالمحافظة عليها تنال الدرجات العلى .
اعلم أنه لا يصلح للصحبة كل إنسان،
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال – صلى الله عليه وسلم -: «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» .
ولابد أن يتميز الصاحب بخصال وصفات يرغب بسببها في صحبته
وتشترط تلك الخصال بحسب الفوائد المطلوبة من الصحبة.
ويطلب من الصحبة فوائد دينية ودنيوية:
أما الدنيوية، كالانتفاع بالمال أو الجاه أو مجرد الاستئناس بالمشاهدة.
أما الدينية، فيجتمع فيها أيضًا أغراض مختلفة منها الاستفادة من العلم والعمل،
ومنها الاستفادة من الجاه تحصنًا به عن إيذاء من يشوش القلب ويصد عن العبادة،
ومنها استفادة المال للاكتفاء به عن تضييع الأوقات في طلب القوت،
ومنها الاستعانة في المهمات فيكون عدة في المصائب وقوة في الأحوال
نبغي فيمن تؤثر صحبته خمس خصال: أن يكون عاقلاً حسن الخلق، غير فاسق، ولا مبتدع، ولا حريص على الدنيا .
وقد أثنى جل وعلا على الصحبة الطيبة وجعلها سببًا لدخول الجنة ..
قال – صلى الله عليه وسلم -:
«إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي» ،
وقال – صلى الله عليه وسلم -: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله،
ورجل قلبه متعلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه … » .
بل ورفع الله عز وجل ذكر الكلب برفقته للصالحين فقال عالى: {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} (١).
إن الخليل هو المرآة التي تعكس صورتك للناس وتريهم من تكون …
فالمرء على دين خليله، فلينظر المرء من يخالل.
قال أبو سليمان: قوله «المرء على دين خليله» معناه:
لا تخالل إلا من رضيت دينه وأمانته، فإنك إذا خاللته قادك إلى دينه ومذهبه …
ولا تغرر بدينك ولا تخاطر بنفسك فتخالل من ليس مرضيًا في دينه .
أنت في الناس تقاس … بمن اخترت خليلا
فاصحب الأخيار تعلو … وتنل ذكرًا جميلا