
أخي الحبيب:
ليس المؤمن بالذي يؤدي فرائض العبادات صورة ويتجنب المحظورات فحسب, إنما المؤمن هو الكامل, لا يختلج في قلبه اعتراض, ولا يساكن نفسه فيما يجري وسوسة, وكلما اشتد البلاء عليه زاد إيمانه وقوي تسليمه, وقد يدعو فلا يرى للإجابة أثراً, وسره لا يتغير لأنه يعلم أنه مملوك وله مالكٌ يتصرف بمقتضى إرادته, فإن اختلج في قلبه اعتراض خرج من مقام العبودية إلى مقام المناظرة, كما جرى لإبليس والإيمان القوي يبين أثره عند قوة البلاء().
قال الإمام النووي -رحمه الله تعالى- في شرح مسلم: عند قوله r: “ما من مسلم يشاك بشوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومُحيت عنه بها خطيئة” وفي رواية: “إلا رفعه الله بها درجة أو حط عنه خطيئة” قال: وفي هذه الأحاديث بشارةُ عظيمة للمسلمين فإنه قل أن ينفك الواحد منهم ساعة من شيء من هذه الأمور, وفيه تكفير الخطايا بالأمراض والأسقام ومصائب الدنيا وهمومها وإن قلت مشقتها().
وروي في الخبر أنه لما نزل قوله تعالى: } مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ{ قال أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- : يا رسول الله كيف الفرح بعد هذه الآية؟ فقال رسول الله r: “غفر الله لك يا أبا بكر؟ ألست تمرض؟ أليس يصيبك الأذى؟ أليست تنصب؟ أليس تحزن؟ فهذا مما تجزون به”. يعني أن جميع ما يصيبك يكون كفارة لذنوبك.
واعلم أن العبد لا يدرك منزلة الأخيار إلا بالصبر على الشدة والأذى وقد أمر الله تعالى نبيه -عليه الصلاة والسلام- بالصبر فقال تعالى: } فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ{().
وروي عن مالك بن أنس من حديث عطاء بن يسار أن
النبي r قال: “إذا مرض العبد بعث الله إليه ملكين فقال: انظرا ماذا يقول لعُواده؟ فإن هو إذا جاءوه حمد الله وأثنى عليه رفعا ذلك إلى الله -وهو أعلم- فيقول لعبدي عليَّ إن توفيته أن أدخله الجنة, وإن أنا شفيته أن أبدله لحماً خيراً من لحمه, ودماً خيراً من دمه, وأن أكفر عنه سيئاته”.
وعندما مرض أبو بكر فعادوه, فقالوا: ألا ندعوا لك الطبيب؟ فقال: قد رآني الطبيب, قالوا: فأي شيء قال لك؟ قال: إني فعَّال لما أريد().
وقال أبو هريرة: إذا مرض العبد المسلم, نودي صاحب اليمين: أن أجر على عبدي صالح ما كان يعمل وهو صحيح, ويقال لصاحب الشمال: أقصر عن عبدي ما دام في وثاقي, فقال رجل عند أبي هريرة: يا ليتني لا أزال ضاجعاً, فقال أبو هريرة: كره العبد الخطايا().
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله r : “إن العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة ثم مرض قيل للملك الموكل به: اكتب له مثل عمله إذا كان طلقاًَ..”.