
واعلم أخي: أن الزمان لا يثبت على حال كما قال -عزّ وجل- } وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ{ فتارة فقر, وتارة غنى, وتارة عز
, وتارة ذل, وتارة يفرح الموالي, وتارة يشمت الأعادي, فالسعيد من لازم أصلاً واحداً على كل حال وهو تقوى الله().
ذكر أبو الفرج ابن الجوزي في المصائب المختصة بذات الإنسان.. قال: رأيت جمهور الناس إذا طرقهم المرض أو غيره من المصائب اشتغلوا تارة بالجزع والشكوى, وتارة بالتداوي إلى أن يشتد عليهم, فيشغلهم اشتداده عن الالتفات إلى الصالح من وصية, أو فعل خير, أو تأهب للموت, فكم ممن له ذنوب لا يتوب منها, أو عنده ودائع لا يردها, أو عليه دين أو زكاة, أو في ذمته ظلامة لا يخطر له تداركها, وإنما حزنه على فراق الدنيا, إذ لا هم له سواها, وربما أفاق وأوصى بجور().
فينبغي للمتيقظ أن لا يتأسف على ما فات, وأن يتأهب في حال الصحة قبل هجوم المرض, فربما ضاق الوقت عن عمل واستدراك فارط, أو وصية, فإن لم تكن له وصية في صحته فليبادر في مرضه, وليحذر الجور في وصيته, فإنه من المحرمات, فإنه يمنع المستحق ويعطي من لا يستحق, فيحتاج أن يحارب نفسه وشيطانه, وليعلم أن هذا الواقع من المصائب في نفسه وماله وولده, وقع برضى مالكه وخالقه, فيجب على العبد أن يرضى بما يرضى به السيد, ويعاقب نفسه إذا جزعت, ويقول لها: أما علمت أن هذا لا بد منه, فما وجه الجزع, وإنما هي ساعة كأن لم يكن ما كان, ومن تلمح العواقب هان عليه مرارة الدواء.
وعن أبي محمد الحريري قال: حضرتُ عند الجنيد قبل وفاته بساعتين, فلم يزل تالياً وساجداً, فقلت له: يا أبا القاسم قد بلغ ما أرى من الجهد, فقال: يا أبا محمد, أحوج ما كنت إليه هذه الساعة, فلم يزل كذلك حتى فارق الدنيا