
أخي الكريم:
ليحذر العبد كل الحذر أن يتكلم في حال مصيبته وبكائه بشيء يحبط به أجره ويُسخط به ربه, مما يشبه التظلم, فإن الله تعالى عادلٌ لا يجور, وعالم لا يضل ولا يجهل, وحكيمٌ أفعاله كلها حكم ومصالح, ما يفعل شيئاً إلا بحكمه, وهو الفعال لما يريد, القادر على ما يشاء له الخلق والأمر, بل إنما يتكلم بكلام يُرضي به ربه, ويكثر به أجره, ويرفع الله به قدره().
كان صلة بن أشيم في غزاة له ومعه ابن له فقال له: أي بني! تقدم فقاتل حتى أحتسبك, فحمل فقاتل حتى قتل, ثم تقدم فقُتل, فاجتمعت النساء, فقامت امراته معاذة العذرية فقالت للنساء: مرحباً إن كنتن جئتن لتهنئنني مرحباً بكن, وإن كنت جئتن لغير ذلك فارجعن().
حدث يزيد بن أبي حبيب: أن ابناً لعياض بن عقبة حضرته الوفاة, وكان عياض غائباً فقالت أم الغلام: لو كان أبو وهب حاضراً لقرت عينه, فلما حضرت وفاة عياض بن عقبة قال لأخيه أبي عبيد: يهنئك الظفر قد كنت أرجو أن تكون قبلي فأحتسبك().
أي أنك تحتسبني وتصبر على مصيبتي وينالك الأجر بذلك.
وحين مات عبدالله بن مطرف, خرج مطرف على قومه في ثياب حسنة وقد أدهن, فغضبوا وقالوا: يموت عبدالله, ثم تخرج في ثياب من هذه مدهناً؟ قال: أفأستكين لها, وقد وعدني ربي تبارك وتعالى ثلاث خصال, كل خصلة منها أحب إليَّ من الدنيا وما فيها قال الله تعالى: } الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ{().
ولنتأمل مسابقتهم إلى ذلك الخير ورغبتهم فيما عند الله ورضاهم عن الله -جل وعلا- قال سهيل بن الحنظلية الأنصاري – وكان لا يولد له – لأن يولد لي ولد سقط, فأحتسبه أحب إليّ من أن يكون لي الدنيا بأجمعها,
وكان ابن الحنظلية ممن بايع تحت الشجرة().