
ومما يسلي العبد قول بعض الحكماء.. قد مات كل نبي, ومات كل نبيه ولبيب وفقيه وعالم, فلا تجزع ولا يوحشنك طريق الخلائق فيها().
أخي.. كلنا سائرون في طريق نهايته معروفة.. الموت هادم اللذات ولكن
| اصبر لكل مصيبةًَ وتجلد | ||||
| واعلم بأن المرء غير مخلد | ||||
| أو ما ترى أن المصائب جمة | ||||
| وترى المنية للعباد بمرصد | ||||
| من لم يصب ممن ترى بمصيبة | ||||
| هذا سبيل لست عنه بأوحد | ||||
| وإذا ذكرت مصيبة تسلو بها | ||||
| فاذكر مصابك بالنبي محمد() | ||||
فمن أعظم مصائبنا التي نحتسبها عند الله موته r ومن أعظم البشارات لمن أصيب بمصيبة فذكرها بعد مدة طويلة فجدد لها استرجاعاً وصبراً, ما له عند الله من الأجر كلما ذكرها واسترجع. قال r: “ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها فيحدث لذلك استرجاعاً إلا جدد الله له عنه ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب” بها.
مات لرجل من السلف ولدٌ, فعزاه سفيان بن عيينة وآخرون وهو في حزن شديد حتى جاءه الفضيل بن عياض فقال: يا هذا أرأيت لو كنت في سجن وابنك, فأفرج عن ابنك قبلك أما كنت تفرح؟ قال: بلى قال: فإن ابنك خرج من سجن الدنيا قبلك, فسرى عن الرجل وقال: تعزيت().
وقد ذكر أبو الفرج ابن الجوزي في “عيون الحكايات” قال الأصمعي: خرجت أنا وصديق لي إلى البادية فضللنا الطريق, فإذا نحن بخيمة عن يمين الطريق, فقصدناها فسلمنا فإذا امرأة ترد علينا السلام, قالت: وما أنتم؟ قلنا: قوم ضالون عن الطريق, أتيناكم فأنسنا بكم فقالت: يا هؤلاء ولُّو وجوهكم عني حتى أقضي من حقكم ما أنتم له أهل, ففعلنا, فألقت لنا مسحاً فقالت: اجلسوا عليه إلى أن يأتي ابني, ثم جعلت ترفع طرف الخيمة وتردها إلى أن رفعتها فقالت: أسأل الله بركة المقبل, أما البعير فبعير ابني, وأما الراكب فليس بابني, فوقف الراكب عليها, فقال: يا أم عقيل, أعظم الله أجرك في عقيل, قالت ويحك مات ابني؟ قال: نعم قالت: وما سبب موته؟ قال: ازدحمت الإبل فرمت به في البئر, فقالت: انزل فاقض ذمام القوم, ودفعت إليه كبشاً فذبحه وأصلحه وقرب إلينا الطعام فجعلنا نأكل ونتعجب من صبرها, فلما فرغنا خرجت إلينا وقد تكّورت فقالت: يا هؤلاء: هل منكم من أحد يُحسن من كتاب الله شيئاً؟ قلت نعم, قالت: اقرأ عليَّ من كتاب الله آيات أتعزى بها, قلت يقول الله -عزّ وجل- في كتابه: }وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ{ قالت: الله إنها لفي كتاب الله هكذا؟ قلت: الله إنها لفي كتاب الله هكذا, قالت: السلام عليكم, ثم صفت قدميها وصلت ركعات ثم قالت: “إنا لله وإنا إليه راجعون” عند الله أحتسب عقيلاً, تقول ذلك ثلاثاً, اللهم إني فعلت ما أمرتني به فانجز لي ما وعدتني().
وعن مسلم بن يسار قال: قدمت البحرين, فأضافتني امرأة لها بنون ورقيق ومال ويسار فكنت أراها محزونة, فلما خرجت من عندها قلت لها ألك حاجة؟ قالت: نعم. إن أنت قدمت بلدتنا هذه أن تنزل عليّ, فغبت عنها كذا وكذا سنة, ثم أتيتها فلم أر ببابها أنيساً, فاستأذنت عليها فإذا هي ضاحكة مسرورة, قلت لها ما شأنك؟ قالت: إنك لما غبت عنا لم نرسل في البحر شيئاً إلا غرق, ولا في البر شيئاً إلا عطب, وذهب الرقيق ومات البنون, فقلت لها: يرحمك الله رأيتك محزونة في ذلك اليوم ومسرورة في هذا اليوم؟ فقالت: نعم إني لما كنت فيه من سيئة الدنيا خشيت أن يكون الله قد عجل حسناتي في الدنيا, فلما ذهب مالي وولدي ورقيقي رجوت أن يكون الله قد أدخر لي عنده خيراً ففرحت().