
من هنا كان لابد لنا من وقفة:
أولًا: لعلنا نلاحظ أن كثيرًا من القربات والطاعات إلى الله هي من قبيل السنن والنوافل، ومن يترك هذه القربات والطاعات يترك كثيرًا مما جاء به هذا الدين، لأنها تشكل جزءًا كبيرًا منه، وذلك لأنها تتضمن فضائل كثيرة نحن بأمس الحاجة إليها.
ولنا في ذلك أسوة حسنة في رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام وصحابته فإنهم لم يكونوا يتوقفون عند الفرائض فحسب، بل كانوا سباقين إلى الخيرات فرضها ونفلها؛ فها هو رسول الله r يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، بل إنه- بأبي هو وأمي- إذا فاته قيام الليل قضاه ضحى اليوم الثاني، كذا لو فاتته راتبة قضاها، كما حدث حين شغله وفد عبد القيس عن الركعتين اللتين بعد صلاة الظهر، فقد قضاهما بعد صلاة العصر.
وهؤلاء هم صحبه الكرام يمتثلون لنصائحه؛ فهذا علي t يفعل ما أمره به رسوله r من التسبيح والتحميد عند النوم ويقول: لم أدعهما. قالوا: ولا يوم صفين فقال: ولا يوم صفين.
ثانيًا: لنقف مع فوائد جليلة استنبطها العلماء من الحديث القدسي: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بعمل أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن أستعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شئ أنا فاعله في ترددي في قبض روح عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته ولا بد له منه.
ففي هذا الحديث فوائد وثمرات عديدة، تدل على أهمية النوافل والتطوعات نُجمل منها ما هو آت:
(1) تحصيل محبة الله عز وجل، وأي فضل أعظم من محبة الله وأنت تمشين بين الناس وربك من فوق سبع سماوات يحبك، فكل خير لك واصل، وكل شر عنك مندفع، فيا لها من فضيلة، وما أعظمها من مزية.
ويترتب على تلك المحبة فوائد أخرى مثل:
- أن يكون الله سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به… وبهذا تحصل معية الله للعبد، فيكون الله مصاحبًا لعبده في كل جارحة من جوارحه، مسددًا وحافظًا لها، فلا يحصل من تلك الجوارح إلا ما يرضي الله عز وجل، وكم نشكو من خروج هذه الجوارح علينا وانطلاقها فيما حرم الله، لكن أمامنا هذا الطريق اليسير المعبد المذلل، وهو أن نكثر من النوافل ليتولى الله عز وجل حفظ تلك الجوارح، فلا تبصر العين إلا ما أذن الله وما شرع، وكذلك الأذن، واللسان، وكل جارحة لا تفعل ولا يصدر منها إلا ما يرضي الله عز وجل، لأن الله قد تولى حفظها وتسديها.
- ثم هناك معية خاصة وهي: معية العلم والإحاطة، وهذه بدورها تؤدي إلى النصر والإعانة والحفظ من الله عز وجل.
(2) قوله «ولئن سألني لأعطينه»: يدل على أن كثرة النوافل والتطوعات من أسباب إجابة الدعاء وتفريج الكربات. وكذلك قوله «ولئن استعاذني لأعيذنه» فإذا سألت الله وجدته قريبًا منك ييسر أمرك ويعيذك مما تتعوَّذين منه.
(3) ومن فوائد النوافل والتطوعات أنها ترفع النقص الحاصل في عبادتنا كما في الصلاة إن نقصت نظر هل من تطوع ليجبر النقص، وهكذا سائر العمل.
(4) أن الله رتب عليها تكفير الخطايا، ومحو السيئات، ومعلوم أن الحسنات يذهبن السيئات، والحسنات تتناول الفرائض والنوافل.
مثال ذلك: من أكل طعامًا أوشرب شرابًا، أو لبس ثوبًا فقال: (الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة) أو قال: (الحمد لله الذي كساني هذا الثوب ورزقنيه….) غفر له ما تقدّم من ذنبه. فهذا دعاء وجيز بسيط وتأملي كم يحصل به من خير (المغفرة).
– وفي الذكر أن (سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر) تنفض الخطايا كما تنفض الشجرة ورقها.
(5) أنها تزيد الإيمان الذي يشكو أكثرنا من ضعفه، وقسوة قلبه، ولأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فالنوافل طاعات وبالتالي فالإيمان يزيد بالتطوعات القولية والبدنية.
(6) أنها تثقل الموازين فيزداد الرصيد، فكما أن أهل الدنيا يتكثّرون من الأموال، فإن أهل الآخرة يتكثّرون من الحسنات.
مثال ذلك: قراءة القرآن، فكل حرف بحسنة والحسنة بعشر أمثالها. وهكذا.
(7) أن الله رتب على كثير من التطوعات دخول الجنات، وما أكثر ما قال رسول الله r من فعل كذا دخل الجنة، ومن ذلك قوله r: «من ثابر على اثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة دخل الجنة. وغيرها».
(8) أن في الاشتغال بالطاعات والنوافل ربطًا للقلب بالله سبحانه وتعالى، ومعلوم أن رأس العبودية محبة الله، والمحبة محلها القلب، وبالتالي تُطرد الغفلة إذا اشتغل القلب بالنوافل القولية والفعلية فيتذكر القلب، ويتدبر في أمره، ويعمل لآخرته.
(9) أن الاشتغال بالطاعات والنوافل اشتغالٌ عن المحرمات، فإن النفس إما أن تشغلها بالحق أو تشغلك بالباطل.
– يقول ابن القيم رحمه الله (من علامات صحة القلب أن يكون شحيحًا بوقته أشح من البخل بماله).
وبعد:
هذا غيض من فيض يسّره الله لنا. فهلا شمرنا عن ساعدينا، وجددنا عزائمنا، لنحطم جسور الغربة، وننفض التراب عن السنة المهجورة، فإليك أخيتي نماذج من تلك السنن التي هجرت وفرط فيها الكثير، نوجزها لك لا على سبيل الحصر بل على سبيل الأكثر هجرانًا، هجراننا لسجود الشكر، وهجراننا لصلاة الضحى، وهجراننا لصلاة التوبة، وهجراننا لتنويع أدعية الاستفتاح، وأذكار الركوع والسجود، والدعاء بين السجدتين، وهجراننا لجلسة الاستراحة في الصلاة، وهجراننا للسواك ، وهجراننا لركعتي الوضوء، وهجراننا لركعتين بين الآذان والإقامة، وهجراننا لأذكار الدخول والخروج من المنزل وركوب الدابة، وهجراننا لأذكار الصباح والمساء، وهجراننا لإفشاء السلام، وهجراننا لصلاة العيدين، وهجراننا لإماطة الأذى عن الطريق، وهجراننا للتيامن في كل الأمور، وهجراننا للوضوء عند الغضب تنفيذًا لوصية الرسول r، وهجراننا لأقوال المصطفى r عند التهنئة بالمولود، أو الزواج، أو التعزية، أو عند زيارة المريض، الأقوال الخاصة عند وداع الصحب والإكثار من الدعاء على الطريق أثناء السفر، وهجراننا وما يقال عن رؤية الهلال، وهجراننا لصيام التطوع وخاصة صيام شهر شعبان، وشهر الله المحرم، وهجراننا للابتسامة والبشاشة وحسن الخلق، وهجراننا الدعوة إلى الهدى وتبليغ العلم ولو آية، وهجراننا لسنته r في كراهية النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها، وهجراننا لمقدار القراءة في الصلوات وتتبع السور التي كان يقرؤها عليه الصلاة والسلام في بعض الصلوات، وهجراننا تراص الصفوف أثناء صلاة الجماعة وتسويتها، وهجراننا توقير العلماء والكبار و أهل الفضل وتقديمهم على غيرهم ورفع مجالسهم وإظهار مرتبتهم، وهجراننا النصيحة، وهجراننا بر أصدقاء الوالدين في حياتهما أو بعد مماتهما، وهجراننا تربية الأولاد على ما قال الله وقال رسوله، وهجراننا الغضب إذا انتهكت حرمات الشرع، وهجراننا الإيثار والمواساة، وهجراننا القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة، وهجراننا لتكثير الأيدي على الطعام.
وكما أسلفنا فهذا غيض من فيض، وفيما يلي نتناول- بإذن الله تعالى- بعض هذه السنن المهجورة، والله المستعان وعليه التكلان.