
معنى الصبر:
1- قال الراغب: الصبر الإمساك في ضيق، يقال صبرت الدابة معنى حبستها بلا علف.
2- وقيل معناه: الحبس والكف، ومنه قتل فلان صبرًا: إذا أمسك وحبس وقال تعالى: }وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ{ [الكهف: 28]، أي: أحبس نفسك معهم.
معنى الصبر شرعًا: قال الطبري: الصبر منع النفس محالها وكفها عن هواها. وعرفه آخرون بأنه:حبس النفس عن الجزع، والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن كل فعل محرم كلطم الخدود وشق الجيوب والدعاء بالويل والثبور.
أنواع الصبر:
1- صبر على طاعة الله. 2- صبر عن معصية الله. 3- صبر على الأقدار.
والصبر على الطاعة أفضل الأنواع الثلاثة لأن فعل الطاعة آكد من ترك المعصية، والصبر على الطاعة وعن المعصية أكمل من الصبر على الأقدار، فإن الصبر فيها اختيار وإيثار، ومحبة، أما الصبر على المصيبة فإنه أمر جرى بغير اختيار العبد ولا كسب له فيه فليس له فيها حيلة غير الصبر.
وبانعدام الصبر في النوعين الأولين تكون مصيبة الدين ونهايتها الخسران الذي لا ربح معه، والحرمان الذي لا عوض فيه، وقد ذكر ابن القيم في كتابه (عدة الصابرين): أنه حفظ من خطب الحجاج (اقدعوا هذه النفوس فإنها طلعة إلى كل سوء فرحم الله امرأ جعل لنفسه خطامًا، وزمامًا فقادها بخطامها إلى طاعة الله وصرفها بزمامها عن معاصي الله، فإن الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه) وسنتناول هذه الأنواع بالتفصيل:
أولاً: الصبر على الطاعة: وهو الثبات على أحكام الكتاب والسنة وينقسم إلى ثلاثة أحوال:
1- حال قبل العبادة: وهي تصحيح النية والإخلاص والصبر عن شوائب الرياء.
2- حال في نفس العبادة: وهي أن لا يغفل عن الله تعالى في أثناء العبادة ولا يتكاسل عن تحقيق الآداب والسنن.
3- حال بعد الفرغ من العبادة: وهو الصبر عن إفشائه والتظاهر به لأجل الرياء والسمعة وعن كل ما يبطل عمله فمن لم يصبر بعد الصدقة عن المن والأذى أبطلها) ا هـ. مختصر منهاج القاصدين.
والصبر على الطاعة إنما يكون بمجاهدة النفس على التقى لتفوز برضى الله سبحانه وتعالى، ولذلك يقول ابن القيم: (لا تقوم التقوى إلا على ساق الصبر)، وقد قال تعالى: }إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ{ [يوسف: 90]، صبر على أداء الفرائض في وقتها وخصوصًا صلاة الفجر فقد تتكاسل النفس عندما ترى لذة النوم، وراحة المنام، فهنا مقام الصبر على الطاعة، وقد تتقاعس عن صيام النوافل، فهنا مقام الصبر، عندما يتذكر ما يقال للصائمين غدًا: }كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ{ [الحاقة: 24]، قال ابن تيمية رحمه الله: (ذكر الله الصبر في كتابه أكثر من (90) موضعًا وقرنه بالصلاة: }وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ{ [البقرة: 45]، وجعل الإمامة في الدين موروثة عن الصبر واليقين لقوله: }وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ{ [السجدة: 24]، فإن الدين كله علم بالحق، وعمل به، والعمل به لا بد فيه من الصبر، بل وطلب عمله يحتاج إلى الصبر كما قال معاذ: (عليكم بالعلم فإن طلبه لله عبادة،ومعرفته خشية، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، ومذاكرته تسبيح، به يعرف الله ويعبد، وبه يمجد الله ويوحد، يرفع الله بالعلم أقوامًا ليجعلهم للناس قادة، وأئمة يهتدون بهم وينتمون إلى رأيهم، فجعل البحث عن العلم من الجهاد، ولا بد في الجهاد من الصبر).
والخلاصة أنه لا بد من مجاهدة النفس والصبر على الطاعة ليحصل له العاقبة الحسنة في الدارين كما قال ابن رجب: (فمن صبر على مجاهدة نفسه، وهواه، وشيطانه غلبه، وحصل له النصر، والظفر وملك نفسه فصار عزيزًا، ملكًا، ومن جزع ولم يصبر على مجاهدة ذلك قُهر، وغلب، وأسر وصار عبدا ذليلاً، أسيرًا في يدي شيطانه وهواه كما قيل:
| إذا المرء لم يغلب هواه أقامه | ||
| بمنزلة فيها العزيز ذليل | ||
ثانيًا: الصبر عن المعصية: وهو إمساك النفس عن الوقوع في المحرمات، ومن الملاحظ أن هناك كثير من الناس من يصبر على الطاعة،ولكن يقع في المعصية لعدم صبره عنها وخصوصًا معاصي اللسان من غيبة ونميمة، قال عمر بن عبد العزيز: (ليس التقوى بقيام الليل وصيام النهار، والتخليط فيما بين ذلك ولكن تقوى الله ترك ما حرم الله وأداء ما افترض الله فمن رزق بعد ذلك خيرًا فهو خير على خير). وفي الحديث عنه r: «اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك»، لأن القلب إذا امتلأ من الخوف من الله أحجمت الأعضاء جميعها عن ارتكاب المعاصي، وبقدر قلة الخوف يكون الهجوم على المعاصي، فإذا قل الخوف واستولت الغفلة، كان ذلك من علامة الشقاء، قال بعض السلف: (المعصية إلى الغافل أسرع انحدارًا من الصخرة إلى المكان السافل، وإذا سكن الخوف القلب أحرق الشهوات).
والصبر عن المعصية يكون بكف النفس عما حرمه الله عليها؛ لأن النفس الأمارة بالسوء تدعو إلى السوء، فيصبر الإنسان على نفسه ولا ينساق وراء هواه، فقد عاب الله من فعل ذلك، وسماه إلهًا له فقال: }أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ{ [الفرقان: 43]، قال قتادة: (هو الذي كلما هوى شيئًا ركبه، وكلما اشتهى شيئًا أتاه، لا يحجبه عن ذلك ورع ولا تقوى).
وكان من دعاء النبي r: «اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء»، وقال الشعبي: (إنما سمي الهوى لأنه يهوي بصاحبه ). قال ابن رجب: (من أحب شيئًا مما يكره الله أو كره شيئًا مما يحبه الله لم يكمل توحيده ولا صدقه في قول لا إله إلا الله).