
خاطرة في يوم التروية: بين غائب وحاضر للمشهد
في يوم التروية، يفيض المشهد بمزيج من الحنين والرهبة،
بين غائب عن المكان حاضر بالروح،
وحاضر يخطو بين جموع الحجيج، يردد التلبية ويملأ قلبه الرجاء.
ها هي منى تستقبل ضيوف الرحمن، في اليوم الثامن من ذي الحجة،
حيث يبدأ الحجاج أولى محطات مناسكهم، يروون أنفسهم بالماء كما كان يفعل السلف،
لكنهم أيضًا يروون أرواحهم بالإيمان والتقوى، استعدادًا للوقوف الأعظم في عرفة .
في هذا اليوم، يصطف الملايين في مشهد مهيب، تتوحد فيه القلوب والألسن
“لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك”
الغائب عن المشهد
ليس بعيدًا عن الروح؛ فكم من قلب تاقت نفسه للحج،
وقفت به الأعذار، لكنه حاضر بالدعاء، يرسل روحه مع كل دعوة،
ويرجو أن يكتب له الله شربة من حوض نبيه لا يظمأ بعدها أبدًا.
وفي كل دعاء يرفعه الحاج في منى،
هناك غائب يتمنى أن يكون بين الصفوف، يردد مع الحجيج: “اللهم ارزقنا حج بيتك الحرام”
أما الحاضر في المشهد
فهو شاهد على عظمة الزمان والمكان، يلمس بيديه أثر الأنبياء والصالحين،
ويستشعر معنى التروية الحقيقي: أن تروي قلبك قبل جسدك،
وأن تملأ روحك باليقين قبل أن تملأ قربتك بالماء. في يوم التروية.
تتجلى معاني الاستعداد، والتأمل، والذكر، وتعلو أصوات التلبية، وتخفت أصوات الدنيا.
وفي لحظة تأمل بين الغائب والحاضر، يدرك القلب أن يوم التروية ليس مجرد محطة في مناسك الحج،
بل هو رمز لكل استعداد روحي في الحياة: أن تتهيأ للقاء الله،
وأن تروي ظمأك بالإيمان، وأن تظل دائمًا بين الرجاء والحنين،
بين حضور القلب وغياب الجسد، وبين أمل اللقاء ودعاء الوصول.
” اللهم في يوم التروية، اروِ قلوبنا بالإيمان،
واملأ أرواحنا باليقين، واجمعنا في رحاب بيتك الحرام،
حاضرين أو غائبين، لا فادين ولا مفقودين. “