
في يوم عرفة، يقف الزمان متأملاً أعظم مشهد عرفته الأرض، حيث تتوحد القلوب والألسن، وتلتقي الأرواح من كل فج عميق على صعيد واحد، لا فرق بين غني وفقير، ولا بين عربي وأعجمي، الكل هنا ضيف على الرحمن، يرجو رحمته ويخشع لجلاله.
تتدفق جموع الحجيج منذ مطلع الفجر نحو عرفات، تغمرهم السكينة وتكسوهم رهبة الموقف،
يرددون التلبية والذكر، ويكثرون من الاستغفار والدعاء، في مشهد إيماني مهيب يذوب فيه الفرد في جماعة المؤمنين،
وتتعالى فيه الأصوات بالرجاء والخضوع.
هنا، في هذا السهل المنبسط، وتحت ظل جبل الرحمة، يرفع الحجاج أكفهم إلى السماء،
يستحضرون ذنوبهم وآمالهم، ويجتهدون في الدعاء لأنفسهم وأهليهم ولأمة الإسلام جمعاء.
كل حاج في هذا اليوم العظيم يشعر بأنه أقرب ما يكون إلى الله،
فالدعوات تهمس بها القلوب قبل الألسنة، والدموع تسبق الكلمات، والرجاء يملأ النفوس. في عرفة، تتجلى معاني العبودية والخضوع، ويشعر الإنسان بصغره أمام عظمة الخالق، لكنه في الوقت ذاته يستشعر رحمة الله الواسعة التي وسعت كل شيء.
“يا رب، في هذا الجمع العظيم، وفي هذا اليوم المشهود، اجعلنا ممن غفرت لهم ذنوبهم،
وقبلت منهم دعاءهم، وكتبت لهم حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً وذنباً مغوراً” .
في عرفة، يلتقي الماضي بالحاضر، وتذوب الفوارق،
ويشعر الحاج أنه جزء من موكب النبوة والصالحين،
وأنه واقف في المكان الذي وقف فيه الأنبياء والأولياء،
يردد ما ردده النبي محمد ﷺ: “الحج عرفة”.
ما أعظم المشهد، وما أبهى الموقف، حين تتوحد الملايين على قلب واحد،
في لحظة صفاء وصدق، لا يبتغون إلا وجه الله ورضاه