
االصحبة وقت الألم
حين تشتدّ وطأة الحياة، وتمتلئ أيامك بما لا يُحتمل من الأوجاع،
حين تفتح عينيك صباحًا وأنت لا تدري من أين تأتيك القدرة على النهوض،
حين تتراكم عليك الأسئلة، وتغدو الأجوبة ثقيلة…
لا يضيء عتمتك مثل قلبٍ يُحبك لله، لا لشيء.
الصحبة الصالحة لا تملك عصا موسى، ولا مفاتيح الفرج،
لكنهم يملكون ما هو أعمق من ذلك…
يملكون القدرة على أن يكونوا معك، بقلبهم، بدعائهم، بصمتهم الجميل.
ربما لا يعرفون كل التفاصيل، ولا يفهمون حجم ما تمر به،
لكنهم يعرفون الطريق إلى الله… ويأخذونك معهم.
الصحبة الصالحة هي من إذا بكيت، لم تكثر عليك بالأسئلة،
بل قالت لك دعاءً يخلخل جدار التعب في صدرك.
هي من تقول: “اذكر الله”، وهي تُخبئ في قلبها دعاءً طويلًا لك.
هي من تقرأ في وجعك صبرًا، لا شكوى… وتذكّرك دومًا أن الله لا ينسى.
ربما لا تملك وقتها أن تشرح ألمك، وربما لا تستطيع أن تكتب ما في صدرك،
لكنهم يقرؤونك كأنك كتاب مفتوح…
ويواسونك كما يواسي الله عبده بصوتٍ خفي، وكلمة حنونة، وذكر يضيء.
قال ابن القيم:
“ما شيء أنفع للقلب من صحبة الصالحين، فإنهم يذكرونك بالله، ويرغبونك في الآخرة.”
وما أعظم هذا الكلام حين يكون لك في الدنيا قلبٌ إذا تعثرتَ رفعك، وإذا نسيتَ نبّهك، وإذا حزنتَ دعا لك دون أن تنتظر.
هو لا يريد منك شكرًا، ولا يتوقع منك مقابلًا…
كل ما يريده أن تكون بخير… وأن يراك أقرب إلى الله.
الصحبة الصالحة ليست فقط ضحكة أو مشاركة وقت،
هي دعاء في الغيب، ونصيحة في العلن، وسِترٌ في الغياب.
هي من تقول لك: لا بأس، أنا معك، والله معنا.
من تخبرك أن الله رحيم… ثم تجعل الرحمة تسري في كلامها إليك.
احذر أن تفرّط في صاحبٍ صدقك حين كذّبك الناس،
وشاركك حين تخلّى عنك الجمع،
ودعا لك حين غاب كل صوت.
الصحبة الصالحة رزق لا يُقارن،
بل دواءٌ يُسكّن الروح،
وجسرٌ تعبر به من لحظة ضعف إلى يقين صامد.
فإذا وجدتَ من يذكّرك بالله وأنت في قاع التعب،
فأمسِك عليه قلبك، ولا تتركه،
فقد يكون بابه هو باب الفرج…
وقد تكون دعوته هي سبب الشفاء.