
في ليلة من تلك الليالي التي يشتد فيها المرض عليّ، وتضيق فيها الدنيا بأكملها في عيني…
جلست وحدي على السرير في الغرفة المظلمة،
أُحاول أن أتظاهر بالقوة أمام نفسي، لكني فشلت…
قلبي كان يئن بصمت.
قلت في نفسي بصوت مرتجف:
“يا الله… أين الفرج؟ لقد صبرت وصبرت… لكني الآن تعبت، هل للصبر نهاية يا رب؟”
وما إن أغلقت عيني، حتى وجدتني في مكان عجيب…
نور لا يُشبه نور الدنيا، وهدوء لم أعهده حتى في أحلامي.
وهناك… جالسًا، شيخا وقورًا، مطمئن القسمات، كان الإمام ابن القيم.
ينظر إليّ كأنه يعرف تمامًا ما في قلبي قبل أن أنطق.
ابتسم في وجهي وقال:
ـ محمد… ماذا أثقل قلبك هكذا؟
قلت له بعينين مملوءتين بالدموع:
ـ جسدي يا إمام، أخبرني أنه لم يعد يحتمل، مرضي يُنذرني كل يوم بأني قد لا أُكمل الطريق…
السرطان في دمي، والكُلى خذلتني، وحتى الأمل صار يخونني.
تعبتُ من كلمة “اصبر”.
ابتسم وقال:
ـ وهل تظن أن الصبر لا يتعب؟ بلى يا محمد… الصبر متعب، ولكنه مثل الطريق الطويل في الصحراء،
كلما قطعت خطوة منه، اقتربت من الواحة… وكلما شعرت بالعطش، اقتربت من النبع.
ثم نظر إليّ بتأمل وقال:
ـ في كتابي عدة الصابرين قلت:
“الصبر أول الأمر مرٌّ مذاقه، لكن عاقبته أحلى من العسل.”
سألته وأنا أتنهد:
ـ وهل هناك نهاية لهذا الصبر؟ هل للوجع أن يتوقف؟
قال لي بهدوء العارف:
ـ بلى يا محمد… كل صبر له نهاية. إما نهاية في الدنيا بفرج يُفرح القلب، أو نهاية في الآخرة بجزاء لا يُقاس بسنين التعب.
أتذكر أيوب عليه السلام؟ صبر سنوات طوال، حتى ناداه الله في النهاية:
“اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب.”
واقترب مني وقال:
ـ وأنت يا محمد… سيأتي يوم تُشفى فيه روحك قبل جسدك، أو تُغسل خطاياك حتى لا يبقى عليك ذنب حين تلقى ربك.
ألم أقل:
“إذا اشتد الألم قرب الفرج، وإن مع العسر يسرا.”
قلت له:
ـ لكن أحيانًا أشعر أني لست صابرًا حقًا… أنني متضجر من طول الطريق، من جلسات الغسيل الكلوي، من نظرات من حولي الذين لا يفهمون حجم الألم.
ضحك برفق وقال:
ـ يا ولدي… الصبر ليس أن تبتسم رغم الوجع فقط، بل أن تقول في قلبك:
“أنا راضٍ يا الله حتى وإن لم أفهم حكمتك.”
أما الرضا، فهو أن لا تُجادل القضاء، بل أن تقول:
“أنا بين يديك يا رب، فافعل بي ما تشاء، ما دام قلبي معك.”
ثم قص عليّ:
قصة عروة بن الزبير لما قُطعت رجله، قال:
“اللهم إن كنت قد أخذت، فقد أبقيت. وإن كنت قد ابتليت، فقد عافيت.”
وكان لا ينام إلا وهو يحمد الله.
ثم أضاف:
ـ وسفيان الثوري كان يقول:
“ما أحب أن يُخفف الله عني من بلائي، لأني لا أدري ما ذُخر لي عنده.”
نظرت إليه وقلت:
ـ يعني أنا الآن بين الصبر… والرضا؟ كيف أصل للرضا يا إمام؟
قال:
ـ تصل للرضا يا محمد حين تُسلم قلبك لله تسليمًا كاملاً،
حين تقول في كل ألم:
“اللهم إن كان هذا يُرضيك، فخذ حتى ترضى.”
ثم رفع يده كمن يدعو وقال:
“اللهم اجعلنا من الراضين، فإنك إن رضيتَ عن عبدك، فمهما كان ضعفه، صار قويًا بك.”
قلت له:
ـ وهل أُؤجر إذا ضعفتُ أحيانًا وبكيت؟
ثم وضع يده على صدري وقال:
ـ محمد… تذكّر دائمًا:
“أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل.”
وليس هناك بلاء إلا وفيه رحمة مخفية…
ألم أقل في كتابي:
“لولا المصائب لوردنا القيامة مفاليس.”
ثم نظر في عينيّ وختم قائلاً:
ـ تمسك يا محمد بالصبر… فهو بداية الطريق.
لكن تعلّم الرضا… فهو مقام الأحباب الذين إذا رأى الله في قلوبهم الرضا، سخر لهم الخير كله.
لم أُرد لتلك الجلسة أن تنتهي…
كنت هناك، في تلك المساحة، أمام الإمام ابن القيم،
أبحث عن معنى لصبري المُثقل بالألم،
عن سبب لمرارتي حين يخذلني الجسد كل صباح.
رآني شارداً في صمتي، فابتسم بحنو وقال:
ـ محمد… أراك غارقًا في وجعك، لكن هل نسيت النِّعم؟
ألم يقل الله:
“وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها.” (إبراهيم: 34)
نظرت إليه في دهشة، قلتُ في صوت مُتعب:
ـ أي نِعم يا إمام؟ وأنا جسدي مُنهك… جسد لم يعد يقوى على العطاء، وكلى كل يوم تُنذرني بالنهاية؟
هزّ رأسه برفق وقال:
ـ بلى، لا زالت النِّعم تُحوطك من كل جانب، لكن العين التي يُغشاها الوجع لا ترى النور القريب.
يا محمد… هل تنسى أن الله رزقك قلبًا حيًا يذكره؟ وهل تعلم أن بعض الناس يمشون على أقدامهم لكن قلوبهم موتى؟
ثم أضاف:
ـ عندك لسانٌ يُناجي الله…
عندك عقلٌ يتأمل، وفكرٌ يتدبر…
وكل نفس يخرج منك، هو فرصة توبة وذكر.
أما قرأت في عدة الصابرين:
“إن من أعظم نعم الله على العبد أن يُبقي له في البلاء قلبًا ذاكرًا ولسانًا شاكرًا.”
تأملتُ في كلامه…
قلت له:
ـ صدقت يا إمام… ولكن الإنسان عبد ضعيف، إذا ضاقت عليه، نسي ما عنده وتعلق بما فقده.
قال لي بصوت يحمل الرفق كله:
ـ هو كذلك، ولذلك قال ربنا:
“وقليل من عبادي الشكور.” (سبأ: 13)
فكن يا محمد من هذا القليل…
قل في كل لحظة: “الحمد لله أن لي ربًا لا ينساني في ضعفي.”
ثم التفت إليّ وسألني:
ـ ألا زارك أصدقاؤك مؤخرًا؟
قلت:
ـ بلى… زارني محمد الحمادي، ومحمد الزعابي… وكان اللقاء كأنه دواء من السماء.
في حضن الأصدقاء شعرت أنني لا زلت حيًا.
ضحك الإمام وقال:
ـ هذه نعمة يا محمد…
“الصديق الصالح من نِعَم الله، لأنه يُذكرك بالله، ويشد على قلبك إذا وهنت.”
أما علمت أن النبي ﷺ قال:
“مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد.”
ثم نظر بعيدًا كأنه يستحضر حكمة سماوية، وقال:
ـ يا محمد… أن تُبتلى في جسدك لكن يُبقي الله لك حبًّا في قلوب الناس، هذه نعمة.
أن تُحرم من الصحة لكن يُعوضك الله بالصبر، هذه نعمة.
أن تنكسر ثم تجد في قلبك بقية نور، هذه نعمة.
أطرقتُ برأسي وقد شعرت بالخجل من نفسي…
قلت له:
ـ ولكن يا إمام، هل يليق بي أن أشكو وأنا أغرق في النِّعم؟ وهل يكفي الشكر بلساني؟
قال لي وقد استنار وجهه:
ـ الشكر يا محمد ليس بالكلام وحده، بل بالقلب، والعمل، والرضا.
في عدة الصابرين قلت:
“الشكر قيد النعمة، وهو سبب المزيد. ومن شكر الله على ما أعطاه، بارك له فيما بقي وأبدله خيرًا مما فُقد.”
ثم رفع يده كأنما يدعو لي وقال:
ـ احمد الله على ما عندك…
على قلب حي، وصديق وفي، وأمل لا زال يُخفق في صدرك…
واشكره حتى يأتيك من النِّعم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
قلت له، وأنا أشعر بطمأنينة ما شعرت بها من قبل:
ـ سأحاول يا إمام… أن أُعلم قلبي الرضا، وأُمرّن لساني على الشكر، وأجعل من ألمي وسيلة للقرب من الله.
ابتسم وقال كمن يختم درس الحكمة:
ـ محمد… اجعل صبرك جسرًا للرضا، ورضاك سُلّمًا للشكر، وشكرك طريقًا إلى الجنة.
واذكر دائمًا:
“من رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط.” (حديث قدسي)
ابتسم بلطف وقال:
ـ قبل أن أخبرك عن الحكمة، دعني أُعلمك أولًا أنواع الصبر…
فالصبر يا محمد ثلاث:
صبر على الطاعة: أن تُجاهد نفسك على العبادة رغم التعب.
صبر عن المعصية: أن تمنع نفسك عن الحرام حتى لو هان عليك.
صبر على البلاء: وهو ما أنت فيه… أن تبتلى في جسدك أو روحك، فتصبر دون اعتراض.
ثم سألني:
ـ قل لي يا محمد، لمن تشكو أمرك؟
أطرقتُ خجلاً وقلت:
ـ أشكو إلى الله… لكن أحيانًا أقول للناس: تعبت… مرضي قتلني.
قال بابتسامة العارف:
ـ لا حرج أن تقولها، لكن… أتدري الفرق بين الشكوى إلى الله، والشكوى لله؟
قلت: لا أدري يا إمام.
قال:
ـ الشكوى إلى الله: أن تذهب إلى الله وحده وتقول: يا رب مسني الضر وأنت أرحم الراحمين. كما فعل أيوب.
أما الشكوى لله عند الناس: أن تقول للناس: أشكو إلى الله مما أنا فيه دون أن تتسخط.
لكن الخطر يا محمد أن تشكو لله للناس وأنت في داخلك معترض على حكمه… فكن يقظًا.
قال:
ـ بل أُبشرك يا محمد… البكاء في الخفاء، والشكوى لله وحده، من علامات القلوب الحية.
أما قرأتَ في القرآن عن يعقوب عليه السلام:
“إنما أشكو بثي وحزني إلى الله.”
أخذت نفسًا عميقًا وسألته:
ـ يا إمام… حدثني عن النِعَم… أنا أشعر أن النِعَم هربت من حياتي.
قال لي:
ـ النعمة نوعان يا محمد:
نعمة دائمة: كالإيمان، والعقل، والقلب الذي يعرف الله… هذه لا تزول إلا بالكفر والجحود.
ونعمة حادثة: الصحة، المال، الجسد… وهذه يهبها الله ويأخذها متى شاء.
ثم نظر في عيني وقال:
ـ فإياك أن تحزن إن زالت نعمة حادثة، ما دامت النعمة الدائمة في قلبك… ألا يكفيك أن قلبك لا زال يذكر الله؟
دمعت عيني وقلت له:
ـ وأين أنا من الصبر الحقيقي؟ أنا بالكاد أمسك نفسي.
قال لي برفق:
ـ الصبر درجات يا محمد:
الصابر: من يحتمل البلاء دون اعتراض.
الصبور: من زاد صبره وتكرّر حتى صار خلقًا فيه.
المُصابر: من صابر مع البلاء، وجاهد نفسه عليه، ونافح رغم تعبه.
ثم أضاف:
ـ كن صبورًا، ومصابرًا… فذلك ما يقربك من الله أكثر.
قلت له:
ـ وما الفرق بين صبرنا نحن المخلوقين وصبر الله يا إمام؟
قال:
ـ صبر المخلوق محدود، يشوبه الضعف والتعب… أما صبر الخالق فهو صبر من لا يعجز ولا يكلّ، ألم يقل النبي ﷺ:
“ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله…”
فالله يصبر على عباده يعصونه ويرزقهم… ونحن نضجر من ألم بسيط!
ثم قلت له:
ـ يا إمام، أحيانًا يُقال لي اصبر، وأحيانًا قيل لي تحلّم… هل الصبر هو الحلم؟
ضحك وقال:
ـ لا يا محمد، هناك فرق:
الصبر: تحمل الأذى أو المكروه في النفس والجسد والمال.
الحلم: هو ضبط النفس عن الغضب والانفعال عند الإساءة.
الصبر مع المرض…
والحلم مع من يسيء إليك.
وكلاهما يحتاجان إلى قلب عظيم.
ثم سألته:
ـ وكثيرًا ما أقول الحمد لله… هل هذا هو الشكر؟ أم بينهما فرق؟
قال بوقار:
ـ نعم، بينهما فرق:
الحمد: هو الثناء على الله على كل حال، سواء في السراء أو الضراء.
الشكر: هو رد الجميل عمليًا… أن تستخدم نعم الله في طاعته.
أنت تقول الحمد لله على مرضك…
لكن تشكر الله حين تُحسن الظن به رغم مرضك، وتعمل بما يرضيه.
وهنا ابتسم وقال:
ـ فاجعل لسانك حامدًا… وقلبك شاكرًا… وعملك شاهدًا.
نظرت إليه وأنا أتنفس للمرة الأولى وكأنني تعلمت أنفاسي من جديد…
قلت له:
ـ إذًا يا إمام… كيف أختم طريقي مع الصبر؟
قال لي وقد بسط كفه كمن يُقسم لك العهد:
ـ اجعل صبرك بابًا للرضا،
واجعل رضاك سبيلًا للشكر،
واجعل شكرك دليلك إلى الجنة.
ولا تنسَ يا محمد:
“من رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط.”
واقترب مني، وربت على كتفي قائلاً:
ـ يا محمد… المرض باب، والبلاء جسر… لكن لا تنسَ أن وراء الباب جنة، ووراء الجسر لقاء… فلا تيأس، ولا تضعف.
استيقظت…
وجدت دمعة معلقة في عيني، وابتسامة خجولة على وجهي…
لم يزل المرض، ولم تختفِ الأوجاع،
لكن قلبي تعلم أن يرى النِّعم التي لا تُحصى…
وتعلم أن الصبر ليس نهاية الطريق، بل بدايته…
وأن الرضا، هو الوصول
لكن قلبي كان مع ابن القيم… وكنت أردد لنفسي:
“الحمد لله رب العالمين… شكرًا لله في السراء والضراء… صبرًا يا قلب حتى نصل إلى الرضا.”
قل دائمًا مع نفسك وكرر :
“اللهم لك الحمد في السراء والضراء، اللهم اجعل قلبي شاكرًا، ولساني ذاكرًا، وجسدي صابرًا، وروحي راضيةً مطمئنة.”
يا صديقي… اصبر وارضَ.
اجعلها نيتك:
“اللهم اجعل صبري بابًا إلى رضاك، ورضاي طريقًا إلى جنتك.”