
رحلة نحو الخشوع: تأملات قلب يسعى للسكينة
أنا هنا لا لأُحدّثكم عن تجربتي الكاملة مع الخشوع، بل لأشارككم ومضات شعرت بها، ومواقف خالجت قلبي في بعض صلواتي، لعلّها تفتح لنا جميعًا بابًا لفهمٍ أعمق لهذا المعنى العظيم.
لستُ من الخاشعين، ولم أصل بعد إلى تلك المرتبة التي تهتز لها الأرواح وتلين عندها الجوارح، ولكنّي ـ كغيري ـ أبحث. أبحث عن الخشوع الذي يجعل من الصلاة لقاءً لا يُنسى، وانطواءً لا يضاهيه انشغال.
تسألت كثيرًا: ما طبيعة هذا اللقاء بين العبد وربه؟
هل هو مقام خوفٍ وخشية، فيكون الخشوع خضوعًا لعظمة الجبّار؟
أم هو لحظة حب وشوق، فتولد الراحة والسكون؟
هل هو مقام الرجاء وطلب المعونة، كما في قوله تعالى: “إياك نعبد وإياك نستعين”، فنجد في هذا الرجاء تسليمًا وطمأنينة؟
أم هو مقام شكر وامتنان، فنستحضر النِّعم فنخشع؟
أم أنّه ببساطة… لحظة راحة نهرب بها من صخب الدنيا إلى سكينة الله؟
تأملت هذا كثيرًا، وكنت في كل مرة أدخل الصلاة بنيّة معينة، أرجو بها الخشوع… فأجده يتفلّت مني. فهل المشكلة في النية؟ أم في طريقة تطبيقها؟ أم أن هناك سرًا أعمق لم أبلغه بعد؟
أذكر يومًا خاصًا…
كنت في ضيقٍ شديد، والخوف ينهش قلبي. لا سند لي، ولا ملاذ، فهربت إلى الله. توضأت وأنا أستشعر أن الماء يُطهّرني ليس من الأوساخ، بل من ذنوبي.
وقفت للصلاة بثقل الهم، وقلبي خاشع، يهمس بكل كلمة بصدق، فحين نطقت: “إياك نعبد وإياك نستعين”، شعرت وكأن السماء كلها تنصت لرجائي، وأن الله يسمعني حقًا، ويطمئنني بأنه المعين والملاذ.
ذلك الموقف غيّر شيئًا داخلي. أدركت أن الخشوع لا يُفرض على القلب، بل يُستدرج إليه برفق، ويُبنى شيئًا فشيئًا، عبر وعي، واستعداد داخلي، وتجارب متراكمة.
ومن تلك التجارب، وجدت أن فهم سورة الفاتحة بعمق له أثر بالغ. كيف لا، وهي السورة التي جعلها الله حوارًا خاصًا بينه وبين عبده؟
كل آية تقابلها استجابة من الله، كما أخبر النبي ﷺ، مما يجعلنا لا نقرأها فقط، بل نعيشها وكأننا نحاور ربّنا في لحظة حميمة مهيبة.
هناك أيضًا أشياء صغيرة تصنع فرقًا كبيرًا:
أن نقول “الله أكبر” بإيمان أن الله أكبر من كل ما شغلنا، فنترك خلفنا كل الهموم، ونركّز على لقائه.
أن نسبّح في الركوع والسجود ببطء، نتأمل عظمة الله، ونشعر بالقرب منه.
أن نعيش الصلاة وكأنها الأخيرة، نُسلّم فيها أرواحنا، ونتطهّر بها من شوائب الحياة.
وجدتُ كذلك أن الجسد حين يستعد للصلاة، يستعد له القلب أيضًا:
لباس نظيف، عطر طيب مخصص للصلاة، وضوء بخشوع، دعاء صادق قبل الإقامة، وكلها تُمهّد للقاء مختلف.
ومن أبلغ ما قرأت ما ذكره إسلام جمال في كتابه “فاتتني صلاة”، حين أشار إلى أن الصلاة ليست فقط فريضة، بل موعد حب، وموعد راحة، نشتاق إليه، ونستعد له كما نستعد لأعز اللقاءات.
ولعل قيام الليل كان من أعظم المحطات التي عشت فيها لحظات خشوع نادرة…
حين ينام العالم، ويبقى القلب وحده مع الله، لا أصوات، ولا مقاطعات، فقط نور السكون، وصدق القرب.
وإذا مررت يومًا بآيات مؤثرة قبل الصلاة، فإن القلب يدخلها خاشعًا قبل أن يبدأ… فآيات القرآن، حين تُفهم وتُعاش، تفتح أبواب الخشوع دون استئذان.
وفي كل ذلك، تبقى النية الصادقة هي المفتاح.
أن ندعو الله حقًا:
“اللهم اجعلني من الخاشعين في صلاتهم، واجعلني مقيم الصلاة، ربنا وتقبل دعاء.”
خشوع الصلاة ليس لحظة نادرة فقط، بل يمكن أن يكون حالًا دائمًا نصل إليه بالتدرّج، بالتجربة، بالقراءة، وبالصدق مع أنفسنا.
الخاشعون ليسوا فقط مَن تلين رقابهم وتدمع أعينهم، بل هم أولئك الذين يتشوّقون للقاء الله، ويشعرون أن راحتهم الحقيقية هناك، في السجود، في المناجاة، في الطمأنينة التي لا يمنحها سواها.
فليكن خشوعنا هدفًا، لا لحظة مؤقتة… بل سعيًا دائمًا نحو الله.
وما دام القلب حيًّا، فالباب ما زال مفتوحًا.